قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من تشرين الثاني، تواجه استطلاعات الرأي اختباراً يتجاوز قدرتها على قياس توجهات الناخبين. فالسؤال المطروح لم يعد يقتصر على هوية الحزب الذي يتقدم في السباق، بل بات يتعلق بمدى ثقة
الأميركيين بالأرقام التي تنشرها المؤسسات البحثية، في ظل استقطاب سياسي متزايد وتجارب انتخابية أثارت جدلاً واسعاً بشأن دقة التوقعات.
وتسلّط صحيفة "بوليتيكو" الضوء على أزمة الثقة باستطلاعات الرأي، في وقت تتكثف فيه التقديرات بشأن مستقبل السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، وما قد تعنيه نتائج الانتخابات بالنسبة إلى النصف الثاني من ولاية الرئيس
دونالد ترامب.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى الانتخابات الرئاسية السابقة، ولا سيما عامي 2016 و2020، عندما تعرضت مؤسسات الاستطلاع لانتقادات بسبب التقليل من حجم التأييد الذي حظي به
ترامب. ورغم إدخال تعديلات على أساليب جمع البيانات واحتساب العينات، بقيت الشكوك قائمة بشأن قدرة الاستطلاعات على تمثيل مختلف شرائح الناخبين.
وفي انتخابات 2024، تحسن أداء عدد من المؤسسات البحثية مقارنة بالاستحقاقات السابقة، لكن ذلك لم ينهِ الجدل حول موثوقيتها. فقد أظهرت التجارب أن دقة النتائج لا ترتبط فقط بحجم العينة، بل أيضاً بمدى استعداد المواطنين للمشاركة في الاستطلاعات والإفصاح عن مواقفهم السياسية.
وتواجه المؤسسات البحثية تحديات متزايدة في الوصول إلى الناخبين، خصوصاً مع تراجع الاستجابة للمكالمات الهاتفية والاعتماد المتنامي على الاستبيانات الإلكترونية. وقد يؤدي ضعف مشاركة فئات اجتماعية أو سياسية معينة إلى نتائج لا تعكس بدقة التوازنات الفعلية، حتى عندما تكون العينات كبيرة.
ولا تقتصر المشكلة على الجوانب التقنية، إذ يلعب الاستقطاب السياسي دوراً في تشكيل نظرة الأميركيين إلى المؤسسات الإعلامية والبحثية. فكثيراً ما تُفسَّر نتائج الاستطلاعات وفق الانتماءات الحزبية، بحيث يتعامل بعض الناخبين مع الأرقام المؤيدة لمواقفهم باعتبارها أكثر صدقية من النتائج المخالفة لتوقعاتهم.
وتبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة في انتخابات الكونغرس، حيث قد تُحسم المنافسة في بعض الدوائر بفوارق ضئيلة. ولذلك، فإن تقدم أحد المرشحين بنقاط محدودة لا يعني بالضرورة امتلاكه أفضلية مؤكدة، خصوصاً عندما يقع الفارق ضمن هامش الخطأ الإحصائي.
كذلك، لا تكفي الاستطلاعات الوطنية لتحديد نتائج الانتخابات التشريعية، نظراً إلى اختلاف طبيعة المنافسة والتركيبة السكانية ونسب المشاركة بين الولايات والدوائر
الانتخابية.
وتزداد أهمية هذه التحفظات مع احتدام النقاش بشأن الاقتصاد وتكاليف المعيشة والحرب على
إيران، وهي ملفات تؤثر في تقييم الناخبين لأداء الإدارة الأميركية، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى خيارات انتخابية ثابتة قبل يوم الاقتراع.
وفي هذا السياق، يصبح التمييز ضرورياً بين استطلاعات تقيس اتجاهات الرأي العام في لحظة معينة، وتوقعات تحاول تقدير النتائج النهائية، إذ يمكن لمواقف الناخبين ومستويات المشاركة أن تتغير حتى الساعات الأخيرة.
ومع اقتراب موعد التصويت، ستواجه مؤسسات استطلاع الرأي اختباراً جديداً لصدقيتها. غير أن استعادة ثقة الأميركيين لن تعتمد على دقة التوقعات وحدها، بل أيضاً على شفافية المؤسسات في شرح منهجياتها وحدود نتائجها، بعيداً عن تقديم الأرقام باعتبارها أحكاماً نهائية على مستقبل الانتخابات.