مع تصاعد المخاوف من عودة الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما ردّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على سؤال عن شنّ هجوم جديد بعد الانتخابات النصفية بالقول إن "كل شيء ممكن"، انطلق مساران دبلوماسيان أوروبي وإقليمي في محاولة أخيرة لمنع التصعيد أو الحد من أضراره، قد يشكّلان نواة "تحالف للراغبين" يعمل على استقرار الشرق الأوسط من دون قيادة أميركية، بحسب تحليل نشره موقع "ريسبونسبل ستيتكرافت" نقلاً عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
المسار الأول: إسطنبول
ويجمع المسار الأول مجموعة "E4" الأوروبية، التي تضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، ومجموعة "R4" الإقليمية، التي تضم مصر وباكستان وتركيا والسعودية. وقد التقى وزراء خارجية الدول الثماني في إسطنبول في 23 تشرين الأول، لبحث الحفاظ على فرص حل الدولتين، وإنهاء الحرب الأميركية-الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز، والدفاع عن السعودية في وجه الهجوم الأخير لجماعة الحوثيين.
وأشار التقرير إلى أن انضمام إيطاليا يعزز الثقل الدبلوماسي الأوروبي، في ظل ضعف بريطانيا بعد "بريكست" وتراجع نفوذ ألمانيا الإقليمي بسبب دعمها الثابت لإسرائيل وتوتر علاقاتها مع طهران منذ 2022، فيما لم تشارك روما في قرار تفعيل آلية "الزناد" لإعادة فرض العقوبات على إيران العام الماضي. كما لفت إلى أن ثلاثاً من دول "R4"، باستثناء مصر، وقّعت في آب "حلف مكة الدفاعي"، الذي فُعّلت إجراءات الدفاع الجماعي فيه أخيراً ردّاً على الهجوم الحوثي على السعودية.
المسار الثاني: طهران
أما المسار الثاني، فانطلق بعد ثلاثة أيام، حين التقى رؤساء أجهزة أمنية من باكستان وتركيا والسعودية قادة إيران في طهران، في محاولة لإشراكها في عملية دبلوماسية جدية، ما منح طهران مكسباً إعلامياً في وقت تحاول فيه إدارة ترامب فرض حصار كامل عليها. وأوضح التقرير أن هذه التحركات تأتي بعدما أكدت طهران أن ردها على أي ضربات أميركية أو إسرائيلية جديدة سيكون أشد تدميراً مما شهدته المنطقة خلال الأشهر الثمانية الماضية، محذراً من أن تحركاً مشتركاً للحوثيين وإيران لتعطيل الملاحة في مضيقَي هرمز وباب المندب ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية.
غياب أميركي لافت
وأشار التقرير إلى أن الغياب الأميركي عن الاجتماعين هو الأبرز، إذ باتت القوى الأوروبية والإقليمية تحاول الالتفاف على واشنطن بدلاً من العمل معها، بعدما بدّدت إدارة ترامب، في نظر دول "R4"، الافتراض بأن القوات الأميركية توفّر حماية مطلقة لحلفائها، معتبراً أن الولايات المتحدة وإسرائيل "تملكان القدرة العسكرية على تدمير المنطقة، لكنهما أثبتتا عجزهما أو عدم رغبتهما في كسب السلام". وحذّر من أن دفع إيران، التي يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة، نحو الانهيار ستكون له عواقب كارثية على جيرانها وعلى أوروبا.
لبنان على جدول الأدوار الأوروبية
ورأى التقرير أن بإمكان الأوروبيين المساعدة في احتواء سلوك إسرائيل وإيران معاً، عبر كبح النشاط العسكري الإسرائيلي في لبنان وسوريا من خلال دعم اقتصادي وتقني أقوى للحكومتين المركزيتين وزيادة تمويل الجيش اللبناني، فيما ستتطلع دول "R4" إلى إجراءات أوروبية أوسع ضد سياسات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات غير الشرعية.
وفي الملف الإيراني، اقترح التقرير ربط أي تخفيف أوروبي للعقوبات بتعزيز الرقابة الدولية على البرنامج النووي، وسط مخاوف مشتركة من استعداد واشنطن لتقليص دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أي اتفاق مستقبلي، إلى جانب العمل على إبطاء تطور برنامج الصواريخ والمسيّرات الإيراني عبر تعطيل سلاسل الإمداد من الصين وروسيا واعتراض الشحنات إلى "حزب الله" والحوثيين، والضغط على بكين لاستخدام علاقاتها التجارية مع طهران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز بشكل دائم.
وخلص التقرير إلى أن العودة إلى حرب شاملة قد تكون حتمية في ظل نزعات ترامب، لكن هذه المبادرة، حتى إن تعثرت، تكشف عن نظام ناشئ تصوغه القوى الإقليمية المتوسطة، التي باتت تتطلع إلى أوروبا لا إلى الولايات المتحدة لتعزيز دبلوماسيتها.