تشجّع منى الدزدار الشباب الفلسطينيين أو المتحدّرين من أصول فلسطينية في أوروبا، على الانخراط في العمل السياسي والتنظيمي في بلدانهم، وبناء خبرات في هذا المجال تساعد على التواصل مع أكبر شريحة من أبناء المجتمع وصنّاع القرار فيها، من أجل وضع فلسطين وقضاياها على جدول الاهتمام. ويبدأ ذلك من خلال فهم البلاد التي يعيش فيها الفلسطينيون اليوم، وفهم تاريخها وعقلية شعوبها وآليات تفكيرها وطرق اتخاذ القرارات فيها.
منى الدزدار هي أوّل وزيرة من أصل فلسطيني في النمسا، اختيرت من ضمن الفريق الحكومي النمساوي في أيار المنصرم. الشابة المحامية هي من مواليد فيينا في عام 1978، وتحمل هويّتَين لا تخفيهما ولا يبدو أنهما تشكلان عائقاً في وجه إمكاناتها وطموحها. بذلك، تكون الدزدار قد انضمت من خلال نجاحها، إلى مجموعة من النساء والرجال العرب الذين أثبتوا تفوقاً في المجتمعات الأوروبية. من بين هؤلاء وزيرات في فرنسا وبلجيكا وبرلمانيات في إسبانيا وغيرها من الدول.
الدزدار ابنة عائلة مقدسية، تشكّل وعيها باكراً خلال دراستها في مدارس فيينا. كانت تصعد السلم التعليمي بثقة وعقل منفتح، وقد برز حضورها بين أقرانها، عندما فازت وهي في السادسة عشرة من عمرها بمهمّة تمثيل زملائها في مجلس تلاميذ مدرستها. حينها، طلبت منها إحدى زميلات الدراسة أن تشاركها النشاط ضمن صفوف شبيبة الحزب الاجتماعي الديمقراطي في يسار الوسط الأوروبي. منذ ذلك الوقت، انخرطت في صفوف الحزب، وهي ترى أنّ نشاطها المبكر أفاد تجربتها وصقلها. يُذكر أنّ موقف قيادة الحزب التاريخي الممثلة برئيسه السابق برونو كرايسكي من القضية الفلسطينية، كان حافزاً لاختيارها هذا الحزب والنضال في صفوفه من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في النمسا، إلى جانب قضايا المهاجرين والاندماج.
في المنزل الحامل قضايا الهوية والوطن والانتماء الثقافي، كانت النقاشات تدور بين الدزدار وبين عائلتها وتفتّح وعيها وذهنها على طبيعة القضية الفلسطينية وأبعادها. وراحت تنشط في إطار الجالية الفلسطينية، قبل أن تؤسس جمعية الصداقة الفلسطينية النمساوية، لتجاوز البنى التقليدية التي عرفتها صفوف الجالية الفلسطينية. حاولت تصحيح مكامن الخلل والضعف، معبّرة عن رؤيتها من خلال ندوات وتصريحات إعلامية، فعملت بالتعاون مع أقران لها من شباب الجالية وفعالياتها لتجاوز كلّ العوائق في وجه التواصل بين الفلسطينيين والنمساويين. بالنسبة إلى السياسية الشابة، الخطابات الحماسية التي تُلقى باللغة العربية في مناسبات فلسطينية واحدة من تلك العوائق، فهذا الشكل قد يكون صالحاً لجمهور فلسطيني أو عربي لكن ليس لجمهور "لا يفهم لغتك ولا مفرداتها أو سردياتها كما هي الحال مع النمساويين أو غيرهم من الشعوب الأوروبية". وترى الدزدار أنّ عوامل القصور تلك أو غيرها، كجهل لغة الخطاب وآلية صنع السياسة وغياب قوة تأثير لصالح فلسطين، كلها ناتجة عن خلل في تنظيم العمل. وقد جاءت جمعية الصداقة التي ترأسها كمبادرة لتصحيح الخلل.
لم يمنعها بيتها المقدسي، شبه المحافظ، من أن تفتح طرقاتها وتشقّها بجهد شابة تؤمن بأنّ الدراسة والعلم مفتاح في مجتمعات الهجرة التي اختارها والديها. هي التي ولدت في غربة، كان من الممكن أن تبقى غريبة ومنعزلة عن محيطاها وطموحاتها الذاتية، لو لم تفعل ذلك. هي لطالما كانت بالنسبة إلى محيطها شابة مؤمنة بالعدالة مذ كانت مراهقة في السادسة عشرة، فوجدت في الفكر الاجتماعي الديمقراطي طريقاً. واستفادت في الوقت ذاته مما هو متاح لها من فرص تعلّم متساوية مع أقرانها النمساويين، من دون أن تقول "بماذا تفيد الدراسة؟" مثلما يفعل البعض، بحجّة التمييز أو لأنّ تجارب جيل الهجرة الأوّل (من العمّال) لم تحقّق كثيراً من الحقوق والمساواة. الدزدار استندت على المواطَنة كحقّ لها، تحت سقف الدستور والقوانين لتتدرّج في السلم الحزبي والوظيفي وأصبحت ما هي عليه اليوم.
(العربي الجديد)