فجأة قررت روسيا وأميركا وإيران أن "داعش" أوهن من بيت العنكبوت. تقاطعت الجبهات من العراق الى سوريا. تلاقت المصالح. حصل تنسيق دقيق مباشر أو غير مباشر. توالت أنباءُ تراجعِ التنظيم الموسوم بالإرهاب. وصلت الحماسة بكبير مستشاري قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني العميد أحمد كريمبور الى حد الجزم بأن: "سوريا ستتحرر بالكامل قريباً جداً وان تنظيم "داعش" قد بلغ نهايته".
كل هذا ممتاز، ما دام ضد إرهاب القرون الوسطى، لكن في الصراعات العالمية الكبرى، لا شيء تغير. لا تزال أميركا تعتبر روسيا العدو الأول، ولا تزال ترى "إيران أكبر راع للإرهاب في العالم" وفق التقرير السنوي لخارجيتها. أما موسكو وطهران فتستمران من جانبهما في اعتبار أميركا العدو الأكثر خطراً على المستوى العالمي. يشير تقرير مركز /Levada الى أن 75 في المئة من الروس يرون أميركا العدو الاول قبل أوكرانيا وتركيا. مرشد الثورة في إيران السيد علي خامنئي يوحي بتصريحاته وكأن لا اتفاق حصل مع الشيطان الأكبر، حتى ولو أحرج إدارة الرئيس حسن روحاني (إن لم يكن في الأمر تبادل للأدوار داخل النظام).
روسيا الحذرة: سوريا حليف استراتيجي
يمكن اختصار الديبلوماسية الروسية الحالية بجملة واحدة مفادها: "قل ما يريدون وافعل ما تشاء". كلما أبدت روسيا انفتاحاً على الأفكار والدول والمعارضات، كلما تمنعت فعلياً عن أي تنازل. لا بأس أن تتكثف المشاورات والتصريحات الإيجابية مع واشنطن. لا ضير في تواصل الاجتماعات وتطويرها مع دول الخليج. لا مشكلة في تخفيض سعر النفط الى تركيا وتعزيز التعاون (طبعاً قبل إسقاط أنقرة للطائرة الروسية)، لكننا لم نشهد حتى الآن أي تنازل فعلي لا حيال مستقبل الرئيس بشار الأسد ولا القضايا الجوهرية.
ينفي الروس، مثلا، نفياً قاطعاً أن يكونوا قد سرّبوا أية وثيقة للدستور السوري الجديد، أو أنهم قبلوا بأية تنازلات تتعلق بالرئاسة السورية. يشددون على مبدئية رفض التدخل في قرارات الدول ومصائر رؤسائها. قد يبدو الأمر غريباً فيما طائرات العالم تستبيح الأجواء السورية، لكن موسكو تكرر القول: "إن الشعب السوري هو الذي يقرر". ثم تسمعهم يتساءلون بكثير من التشكيك والحذر: "لمن نقدم تنازلات؟ لواشنطن التي لا نزال في صراع دولي كبير معها؟ أم للمعارضة السورية المفككة التي ارتمت في أحضان الغرب ودول داعمة للإرهاب؟ أم للخليج الذي نعرف ضمنياً أنه لم يهضم مطلقاً دورنا في سوريا، ولا يريد أصلاً للديبلوماسية الروسية أي نجاح في المنطقة، بل يريد استخدام التقارب معنا للضغط على أميركا؟".
أما التقسيم الذي تنذر به سيطرة الكرد على مناطق مهمة من الشمال السوري، فإن الرد الروسي يبدو حاسماً: "ان من عانى التقسيم مثلنا وتفكك الاتحاد السوفياتي واستمالة مسؤولين من عندنا الى أميركا حيث يحمل بعضهم حاليا جنسيتها (وزيرالخارجية السابق اندريه كوزيريف) سيحارب التقسيم في أي مكان في العالم". لا يتذكرون ربما "انفصال" القرم مؤخرا. يتذكرون مأساة تقسيم يوغوسلافيا وكذب الأطلسي في ليبيا.
لا ينظر الروس، إذاً، الى سوريا بمعزل عن صراعهم الأكبر في العالم مع أميركا. بهذا المعنى فإن بشار الأسد حليف استراتيجي. هم يدركون تماما أن المستقبل الأميركي غير واضح. لعلهم يفضلون فوز المرشح دونالد ترامب على هيلاري كلينتون لأنه سيكون أقل خبرة وقد يحاط بمستشارين يدفعونه للتهدئة لا للتصعيد.
عداوة أميركا تناقض ابتسامات كيري ولافروف
شواهدهم على سوء النيات الأميركية حيالهم وتجاه حلفائهم أكثر من أن تحصى بعيدا عن الابتسامات العابرة والتصريحات الإيجابية بعد كل لقاء بين سيرغي لافروف وجون كيري. لعل آخرها زيارة أوباما الى فيتنام وقرار رفع العقوبات عنها لتسليحها ضد الصين. سبق ذلك فتح 5 قواعد فيليبينية، كما أن استراليا تستعد لاستقبال القاذفات الاستراتيجية الأميركية ذات الرؤوس النووية. يتذكر الروس أن الإدارة الأميركية الحالية خصصت أكثر من ألف مليار دولار لبناء 400 صاروخ باليستي جديد عابر للقارات، و12 غواصة و100 قاذفة استراتيجية نووية. في ظل أوباما ايضا الذي قدم نفسه في العالم على أنه الأقل رغبة في الانتشار العسكري والحملات، ها هي أميركا تطور منظومة كاملة لتحديث الرؤوس النووية في أوروبا. يحكى عن أكثر من 40 الف خبير وعشرات المختبرات الجديدة. يحصل هذا فيما الرئيس الأميركي الحالي يرفع من قلب هانوي شعار إزالة الأسلحة النووية والحروب من العالم. يحصل هذا أيضا وسط الاتهامات المتبادلة بين واشنطن وبكين حول السيطرة على بحر الصين. تفيد المعلومات العسكرية بأن القيادة العسكرية الأميركية قررت نشر سفن وبوارج حربية من نوع Aegis بالقرب من الصين وروسيا على غرار ما تفعله في أوروبا مع هذا النوع من البوارج والقواعد الأطلسية. الهدف هو استكمال تطويق الكثير من المناطق المحاذية لروسيا في أوروبا والمحاذية للصين في آسيا والمحيط الهادئ. ناهيك عن التعاون الكبير الحاصل حاليا مع كوريا الجنوبية ضد الصين.
لا يقتصر الأمر هنا على أميركا، بل يشمل الأطلسي، فالدول الأوروبية الكبرى التي اجتمعت مع أميركا وكندا في قمة الدول الصناعية السبع في اليابان، طالبت بكين بحرية الملاحة البحرية والجوية في بحر الصين، وهي لا تزال تمدد العقوبات ضد روسيا بسبب أوكرانيا.
لقراءة المقال كاملاً
اضغط هنا
(السفير)