المؤكد هو أن التوتر السياسي بين انقرة والقاهرة سيستمر هذا اذا لم ندخل في سيناريو التصعيد في ترجمة هذا التوتر عمليًا على الارض عبر عمليات كَر وفر سياسية ودبلوماسية واقتصادية بين البلدين بسبب الأحداث السياسية التي شهدتها مصر منذ عامين بعد إبعاد الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي عن منصب الرئاسة عملية قادها عبد الفتاح السيسي اوصلته الى مقعد الرئاسة من المؤسسة العسكرية والتطور الأخير بإتجاه احالة ملفات قيادات الاخوان الى الافتاء المصري للنظر في قرارات الإعدام الصادرة بحقهم .
لكن الملفت أكثر هو وقوف بعض الدول الخليجية الى جانب القيادة المصرية الجديدة وتحركها المباشر لإستهداف مصالح تركيا وحكومة العدالة والتنمية إعلاميًا وتجاريًا ودعم مباشر للمعارضة التركية في العمليات الإنتخابية في وسائل اعلامها التي قاطعت فيها أخبار الحزب الحاكم وبدأت تنشر التقارير السلبية حول تركيا والحكومة وهو ما دفع أنقرة لتوجيه انتقادات حادة لهذه العواصم والقيادات العربية التي لا تقل تجاهلا لما جرى ويجري في مصر عن العواصم الغربية التي تغاضت عن مسائل اعتبرتها دائما في مقدمة أهدافها وشعاراتها مثل الديمقراطية والحريّة والوقوف في وجه الانقلابات واحكام الإعدام .
ما قاله رجب طيب أردوغان في الساعات الأخيرة أمام الاف المواطنين حول أن قرار حكم الإعدام هو ليس بحق مرسي فقط، بل بحق الشعب المصري الذي علق آماله وتطلعاته على السياسة المشروعة، وأنه من خلال هذا القرار تم إطلاق رصاصة أخرى على أحلام الشعب المصري للسلام والعدل والأمن ، رسالة ستغضب القاهرة طبعًا التي صعدت دبلوماسيًا وسياسيًا وتجاريًا ضد تركيا في العام المنصرم لكنها يبدو أنها لن تقف عند هذا الحد وهي أعطت أخر المؤشرات على ذلك بإستقبال وفد سياسي تركي ينتمي لحزب الوطن الذي كان يحمل إسم حزب العامل في العاصمة المصرية وتسهيل لقاءات عقدها مع قيادات سياسية واعلامية رغم أنها تعرف تمامًا أن هذا الحزب بخلفية يسارية ماركسية ويقوده دوغو برنشك الذي سجن لسنوات بتهمة المشاركة في الانقلاب على حكومة العدالة والتنمية وأن لا تمثيل شعبي وبرلماني له كما اثبتت نتائج الانتخابات التركية التي جرت في العقود الاخيرة وان العملية هي كيدية لا أكثر .
الذي يغضب القاهرة حتمًا هو إصرار اردوغان على محاصرتها بالورقة الغربية الأوروبية بسبب الهجوم العنيف الذي يشنهز على القيادات الأوروبية نتيجة مواقفها مما يجري في مصر وانتقاده للصمت الغربي إزاء قرار الإعدام بحق محمد مرسي أول رئيس منتخب في مصر وعدد من قيادات الإخوان المسلمين. وهنا يحاول الرئيس التركي أن يقارن ويربط بين مواقف الغرب مما يجري اليوم في مصر وصمته وبين تحريك كافة وسائل الاعلام التي يمتلكها هو وبعض الدول العربية من فضلئيات تجمعت في ميدان تقسيم قبل عامين لتشن هجماتها من هناك ضد العدالة والتنمية تحت شعار الدفاع عن الديمقراطية والحريات لكنها لا تقول الكثير عما يجري في المدن المصرية .
اردوغان الذي سال الغرب قبل أيام: "لم لا نسمع لكم صوتا، أليس الإعدام محظورا في الاتحاد الأوروبي؟ لماذا وقفتم مع الانقلابي السيسي. أتوجه بالسؤال إلى كل العالم والهيئات الدولية لماذا لم تفرضوا أية عقوبات عليه ؟ ها هو يسهل تحرك الشارع التركي في العديد من المدن وتحديدا يوم امس الجمعة لتواصل احتجاجاتها المنددة بقرارات الإعدام، بحق أول رئيس منتخب في مصر تحت يافطة "كرسي الإعدام لن يرهب الإخوان". وهو رد مباشر على محاولة بعض القيادات السياسية التركية المعارضة ووسائل الاعلام المقربة منها للربط بين مصير اردوغان ومصير مرسي بعدما رد الرئيس التركي عليها بكلام ملخصه ما اجمل الشهادة في مواقف وقضايا من هذا النوع .
الذي سيغضب القاهرة هذه المرة ايضا هو كلام أعلنه المتحدّث باسم الرئاسة التركية ابراهيم قالن الذي قال أن أبواب تركيا مفتوحة لكافة أفراد الشعب المصري، مشيرا إلى أن بلاده تخطّط لإطلاق المبادرات اللازمة لتحريك الآليات ذات الصلة بالأمر على المستوى الدولي وفي مقدّمتها لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وانتقد قالن صمت الدول الغربية على ماحدث في مصر قائلا: "بعد هذا الصمت لا ضمانة لأي نظام يأتي إلى السلطة بطريقة ديمقراطية، وبعد هذا لا معنى ولا قيمة للأصوات الانتخابية التي يُدلي بها المواطنون،
الفرصة الوحيدة المتبقية لانقاذ ماء الوجه في علاقات متدهورة ومتواضعة تركيا مصريا وساطة عربية او إسلامية عاجلة ترضي الجانبين في حل لا يموت الذئب فيه ولا يفنى الغنم لكن بعض هذا البعض ربما له حساباته التي تمنعه من التدخل والتوسط اذا لم نرد القول انه سيصب الزيت فوق النار لتأجيج اللهب اكثر فاكثر .
الاعلام التركي الاسلامي المعروف فهمي قورو المقرب من الرئيس التركي الأسبق عبد الله غل قدم اقتراحا جديدا بهذا الخصوص يقول فيه " ان تركيا كانت دولة كمصر الآن ، وذلك في أعوام 1950-1960 ... حكم الإعدام الذي صدر بحق محمد مرسي، لم يكتمل بعد ونتمنى أن يأتي قاض متّزن وقريب من الاعتدال وينقذ مصر ولا تقع في نفس حفرة تركيا أعوام الستينات. وإذا افترضنا إمكانية ذهاب وفد من تركيا إلى مصر لإقناع الجنرال السيسي لوقف أمر الإعدام، يا ترى من الممكن أن يرأس الوفد؟ والسؤال الذي طرحناه قبل قليل، يدلّنا على شخصية واحدة يمكنها التواصل والتفاهم مع الجنرال السيسي وهو، عبدالله غول، رئيس الجمهورية التركية السابق. فالرئيس السابق و رغم تدهور العلاقات بين مصر فهو لا زال يحظى باحترام القيادة الجديدة لمصر، لاسيما أن غل لم يكن له أي دور في تدهور العلاقات بين البلدين. وإذا قبل غل أن يتحمّل هذه المسؤولية عليه أن يسعى جاهدا لوقف قرار إعدام محمد مرسي والآخرين ".
("لبنان 24"- أنقرة)