لم يعد من قبيل المبالغة القول إن سوريا يجري تحويلها الى عاصمة «الجهاد العالمي»، وفيها "المطبخ السرّي" الذي تقود العملَ فيه كبارُ عقول "السلفية الجهادية" في العالم وأمهر قادتها على الإطلاق. وراء الأسماء الكثيرة للتنظيمات المسلّحة بتفاعلاتها وتحالفاتها وخصوماتها، وخلف تفاصيل الأحداث الدموية اليومية، هناك في مكان ما تقبع ثلّة من الأشخاص يعملون ويفكّرون ويخططون بعيداً عن الأسماء والتنظيمات والتفاصيل، تاركين قيادة المعارك والإشراف على الميادين والجبهات لأهلها من قادة عسكريين وميدانيين.
أما هذه المجموعة الصغيرة، فلديها مهمة أخرى قد تكون الأكبر والأخطر، هي الحفاظ على شعلة "الجهاد" متّقدة وتأمين الظروف والشروط اللازمة لضمان استمرار اشتعالها في سوريا أطول وقت ممكن، وأيضاً لضمان سلاسة انتقالها، كشعلة الأولمبياد، إلى بلد مضيف آخر عندما يحين الوقت، مع الحرص على أن تكون الشعلةُ ساعة الانتقال قد أصبحت أكبر وأكثر توهجاً.
النكهة المصرية تعمّ في أركان "المطبخ السرّي" بل تكاد تكون النكهة الوحيد الطاغية. يصعب تفسير ذلك، لكن لا شك في أن مصريّة ايمن الظواهري، زعيم "القاعدة"، كانت أحد الأسباب التي وقفت وراء طغيان هذه النكهة في توقيت حسّاس كادت الأمور فيه تتفلّت من يديه ويتحول إلى "ملك بلا مملكة". فلم يعد سراً أن عدداً من كبار قادة "القاعدة" قد انتقلوا من الشتات الذي انتشروا فيه بعد هجمات الحادي عشر من ايلول، ليستقروا مؤخراً في الأراضي السورية. وقد لا يكون من قبيل الصدفة أن معظم هؤلاء من الجنسية المصرية.
وعكس ما يشاع، فإن القيادات المصرية لم تكن تمانع عملية فك الارتباط بين "النصرة" و"القاعدة"، بل هي التي مهّدت لها وسهّلت القيام بها من دون تعريض بنية "النصرة" لأي اهتزازات قاسية. ويمكن ملاحظة أن الحديث عن فك الارتباط تزامن مع بدء توافد القيادات المصرية إلى سوريا وتحديداً في الربع الأخير من العام 2014. وهو ما يؤكد أن اتخاذ القرار حول هذا الأمر لم يكن بسبب الرغبة في تجنب القصف الجوي فقط، بل تضافرت العديد من الأسباب من بينها التمويه على الانتقال الجماعي لقيادات "القاعدة" إلى سوريا.
كما تشير المعطيات إلى أن بعض هؤلاء القيادات عملوا على إعادة صياغة الإستراتيجية العسكرية المتبعة من قبل "جبهة النصرة" ووضع لمسة خبرات عشرات السنين عليها. ومن أبرز نقاط هذه الإستراتيجية هي سحب اي تهديد للغرب وأميركا من التداول، وهو ما يفسر تراجع الجولاني عن التهديدات التي أطلقها ضد "الشعب الأوروبي" إبان بدء غارات التحالف الدولي في العام 2014. إذ يميل هؤلاء إلى إعادة العمل بسياسة "ضرب العدو القريب" وهي السياسة التي كان يفضلها الظواهري في بداية انخراطه بالجهاد في مصر.
وأبرز القيادات المصرية التي وصلت إلى سوريا مؤخراً، هي: سيف العدل المصري، الذي يوصف بأنه "وزير دفاع القاعدة" واسمه محمد صلاح الدين زيدان، وهو عضو مجلس شورى "القاعدة" والرجل الثالث في التنظيم، وأحد المرشحين لخلافة الظواهري. وكان يترأس "اللجنة الأمنية" في تنظيم "القاعدة" منتصف تسعينيات القرن الماضي، كما لعب "دورًا أساسيًّا في بناء القُدرات التشغيلية للمُنظمة، بفضل خبراته العسكرية التي لا تُقدر بثمن" حسب آري ويسفيوز الباحث في المركز الأميركي لمكافحة الإرهاب. ولكن من غير الثابت ما إذا استقر في سوريا أم عاد وغادرها بعد إتمام مهمته فيها والتي يعتقد أنها تتعلق بتطهير الصف الأول من "جبهة النصرة" من بعض القيادات، وبالتقارب مع بعض التنظيمات الأخرى.
والثاني هو أبو الخير المصري، واسمه عبد الله محمد رجب عبد الرحمن، الذي تبين أنه عُيّن نائباً عاماً لزعيم "القاعدة" خلفاً لناصر الوحيشي الذي قتل في اليمن جراء غارة أميركية، وذلك بعد ظهوره في مقطع فيديو يعطي فيه زعيم "النصرة" الضوء الأخضر لإعلان الانفكاك. قبل ذلك كان أبو الخير المصري مسؤولاً عن التنقل والأمور اللوجستية والمصاريف التي يقدمها لعملاء "القاعدة" ممن يتم ارسالهم بمهام خارجية، بالإضافة إلى منصبه كمسؤول "العلاقات الخارجية" وعضو مجلس شورى. ويقيم أبو الخير ،حالياً، في محافظة إدلب في الشمال السوري في معاقل "جبهة النصرة".
وكذلك انتقل إلى الأراضي السورية القيادي في "القاعدة" أبو محمد المصري الذي كان يوصف بأنه الذراع اليمنى لأسامة بن لادن. وهو ضابط سابق في الجيش المصري ويعتبر من المؤسسين الأوائل لتنظيم "القاعدة" ومن كبار قادته العسكريين، واسمه المتعارف عليه هو عبد الله أحمد عبد الله. ويحمل ألقاباً اخرى مثل أبو محمد الزيات وأبو مريم وصالح، ويعتقد أنه نسيب "أبو الفرج اليمني" الذي كان يشغل منصب مسؤول "اللجنة الشرعية" لجماعة الجهاد المصرية قبل أن يعتقل في العام 2003.
ويعتقد أنه اجتمع في سوريا في وقت من الأوقات خلال الأشهر الماضية ثمانية اشخاص من أعضاء "مجلس شورى القاعدة" وهو عدد كبير ويحمل العديد من الدلالات بخصوص توجهات التنظيم على صعيد الإقامة والتمركز. وهو ما يهدد بوجود نية للتنظيم لتحويل سوريا إلى ملاذ له شبيه باليمن خلال العقد الماضي بعد هجمات الحادي عشر من ايلول.
(عبد الله سليمان علي - السفير)
(لقراء المقال كاملاً إضغط هنا)