تشير تقديرات الإعلاميين الأتراك إلى أنّ أكثر من مليون ونصف مليون مواطن تركي، استجابوا لدعوة بلدية اسطنبول للمشاركة في إحياء الذكرى الـ 562 لفتح القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الثاني، الملقّب بـ"الفاتح".
هذا المشهد كان في ميدان "يني قابي" الشاسع، الذي تجنّبت أحزاب المعارضة التركية الإقتراب منه حتى لا تكشف عن حجم شعبيتها الحقيقية أمام الراي العام التركي، في حال فشلها في ملىء المكان. الدخول إلى الميدان وحده كان يتمّ عبر 120 باباً، إضافةً إلى وجود 9 شاشات عرض ضخمة لمشاهدة الإحتفال، وكذلك 70 سيارة إسعاف وخيمتين كبيرتين، كمشفى متحرّك و20 نقطة لتوزيع المياه على الحضور.
احتفالات هذا العام كان لها طابعها المميز سواء لناحية تنظيمها قبل أسبوع واحد من الإنتخابات البرلمانية التركية، وسط سخونة كبيرة في الأجواء السياسية أو لناحية قدومها متزامنة مع تاريخ الإعتداءات الإسرائيلية على أسطول الحرية في عرض المتوسط قبل 5 أعوام.
أردوغان ذكر الشباب البالغ أعمارهم 21 عاماً أن يتذكروا أن محمد الفاتح أيضاً كان في نفس العمر عندما قرّر فتح القسطنطينية لذلك عليهم أن تكون أحلامهم وتطلعاتهم كبيرة وتليق بالشباب الأتراك أينما كانوا.
الرسائل السياسية والإجتماعية التي وجهها أردوغان المشارك في احتفالات الذكرى لم يكن ينافسها سوى حجم المشاركة والتنظيم والعروض العسكرية وروح الحماس التي كانت تهيمن على مئات الآلاف من المشاركين .
أردوغان كان يوجه أسهمه النارية باتجاه المعارضة في الداخل والقوى التي تتآمر على تركيا في الخارج"، على مرأى ومسمع فرق "مهتران" العسكرية العثمانية وعلى هدير أصوات الطائرات التركية التي كانت تقدّم عروضها البهلوانية احتفالاً بذكرى الفتح :
-لن نترك الساحات لمن يسعى لإخماد أنوار الفتح المضيئة في إسطنبول منذ 562 عاما، وسنقف في وجه كل من يستهدف صوت الأذان في هذه المدينة.
-سنتصدى لكل من يدعي بأن الظلم بدأ بفتح إسطنبول عام 1453، وللخونة الذين يدعون قيام مجزرة بحق الأرمن، ولن نتيح الفرصة لمن يسعى لتقسيم هذه البلاد، ويسعى جاهدا لتفريق الأمة باستخدام كافة الوسائل.
-بين المعاني الكثيرة التي يحملها الفتح كسر جميع الأصنام والتوجه للقبلة الوحيدة بيت الله الحرام، والفتح يعني فتح سيدنا عمر رضي الله عنه لمدينة القدس، وفتح صلاح الدين الأيوبي للقدس ورفع راية الإسلام فيها من جديد، والفتح يعني النهوض بتركيا من جديد.
-إن شاء الله سيكون الفتح مجددا في السابع من حزيران القادم (موعد الانتخابات البرلمانية)، أهم منعطف في طريق الوصول لتركيا الحديثة، وسنتجاوزه بالوحدة والتعاون والأخوة، فالفتح معناه الوحدة والتعاون والتآخي للنهوض والإرتقاء بتركيا من جديد.
ورسالة الفتح من قبل أردوغان كانت موجهة أيضاً إلى صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، التي ذكرت في وقت سابق من هذا الشهر، أنّ غيوماً سوداء تلوح في سماء تركيا، حيث قال إنّها تستمد أخبارها من وسيلتين إعلاميتين تركيتين (دون أن يسميهما) تسعيان لزرع الفتنة في البلاد.
هذه الصحيفة تشنّ حملة ضدي من خلال كتاباتها وأخبارها، وهو نفس الأسلوب الذي اتبعته حين هاجمت السلطان عبدالحميد الثاني في عام 1896 وهي تواصل حقدها الذي كانت تكنّه للدولة العثمانية، بالحقد على الجمهورية وهي على صلة وثيقة باللوبي الأرمني، إضافتة لتعاونها حديثا مع بنسلفانيا (في إشارة لزعيم التنظيم الموازي فتح الله غولن، المقيم في هذه الولاية).
إنّ فتح إسطنبول يُعدّ من أعظم الإنجازات التي حقّقها اللأتراك خلال مسيرتهم التاريخية، وأنّ معالم هذا الفتح لا يكمن في النّصر العسكري، إنّما يتلخّص هذا الانتصار في نشر مفهوم الحكم العادل للعالم أجمع.
إنّ فتح إسطنبول سنح الفرصة لجميع الأديان والانتماءات الدّينية والثقافات المختلفة، التّعايش السلمي ضمن حدود الدّولة الواحدة.
"ميراث التّسامح والعيش المشترك الذي ورثه الأتراك من أجدادهم، سيساهم في تطوّر الدّولة التركية وسيفتح آفاقًا جديدة لازدهار البلاد ".
الدّولة التركية ستعمل من أجل الحفاظ على هذا الصّرح الحضاري، وزيادة تطوير هذه المدينة اقتصاديا وتجاريا وثقافياً.
فتح اسطنبول لم يكن ببسالة الجيش فحسب بل كانت بالتسامح والعدالة التي أرساهما السلطان محمد الفاتح في المدينة.
الأمانة التي تركها لنا السلطان محمد الفاتح وجنوده الذين فتحوا مدينة إسطنبول هي المضي قُدُما بتركيا والارتقاء بمدينة إسطنبول على الصعيد الثقافي، والفني، والمالي، والتجاري، وجعلها مركزا عالميا، وفي مصاف المدن الكبرى.
تحية أردوغان كما يبدو واضحا كانت موجهة إلى البابا في الفاتيكان أيضاً الذي اغضب الأتراك بسبب مواقفه الأخيرة من الموضوع الأرمني وحدّد هدف أوروبا المسيحية بقوله. لقد تأسّست أوروبا وفق نظامٍ خاص من ثلاثة أعمدة، وهو عبارة عن إرثُ الامبراطورية الرومانية المقدسة والعقيدة المسيحية والفلسفة اليونانية، واليوم مهما قلنا فإن أوروبا لن تحيد عن أسُسها الثلاثة هذه.
بعض الشباب التركي المتحمس وراء تحويل ايا صوفيا الى جامع مرة اخرى مثل جمعية شباب الأناضول التركية التي أقامت صلاة الفجر في ميدان "أيا صوفيا" تحت شعار "احضر سجادتك وتعال" في إطار حملة تطالب فيها بإعادة فتح أيا صوفيا كمسجد مجددا. مع التذكير ان صلاة الفجر رفعها أبرز مؤذني المسجد الأقصى فراس القفاز، وسيؤم الصلاة أحد أئمة المملكة العربية السعودية الشيخ سجاد مصطفى الحسن. وأنّ أيا صوفيا كانت كاتدرائية قبل تحويلها إلى مسجد، عقب فتح السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية عام 1453، وظلّت كذلك حتى عام 1935، حين تمَّ تحويلها إلى متحف حتى يومنا هذا.
(خاص "
لبنان 24" – أنقرة)