تعدُّ ظاهرة تنظيم "داعش" من أكثر الظواهر التي شغلت العالم، من حيث الإرهاب وسياسة القتل التي ينتهجها هذا التنظيم في كلِّ منطقةٍ تخضع لنفوذه ولأمر عملياته. فـ"داعش"، الذي ظهر في السنوات الثلاث الأخيرة بوهجٍ إعلاميٍّ كبير، لم يعد ذلك التنظيم الذي يُرهب العالم كما في بداياته، نظراً للكثير من العوامل السياسية والعسكرية التي أطفأت وهجهُ وجعلته في موقع المتراجع إعلامياً وسلطوياً، خصوصاً مع تراجع الأسلوب الدعائي الذي إنتهجه تسويقاً لصورته. ولكن السؤال يطرحُ نفسه "هل إنتهت ما يطلق عليها "الدولة الإسلامية"؟
رأت الكاتبة هيلينا ميريمان، التي طرحت هذا السؤال في برنامج "ذا إنكويري" في هيئة الإذاعة البريطانية "BBC"، أن "تنظيم الدولة، تحت القصف الروسي والضربات التركية والعراقية والسورية والكردية، بالإضافة إلى طيران التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، خسر مساحات واسعة من الأراضي، والمقاتلين والأموال، ماذا يعني هذا كله؟ هل انتهى"؟
وأشارت ميريمان إلى أنه "في 13 آب من هذا العام، تم تحرير مدينة منبج من قبضة تنظيم الدولة، وعندما خرج آخر مقاتل منها احتفل سكان المدينة، حيث جلس الرجال في زوايا الشوارع، وبدؤوا يحلقون لحى بعضهم، فيما خلعت النساء الحجاب والنقاب، وقمن بإحراقهما، وجلست سيدة عجوز وهي تدخن وتضحك عبر دخان سيجارتها، وهو أمر كان التنظيم يعاقب فاعله عقابا شديدا، وخسر أيضا كوباني والقريتين وتكريت والفلوجة، والسؤال هو كم هي مساحة الأرض التي خسرها".
وللإجابة على السؤال، قامت مؤسسة تقدير المخاطر المعروفة "آي أتش أس" بالإجابة عن هذا السؤال، حيث أعدت خريطة أظهرت فيها حجم المناطق التي لا يزال التنظيم يسيطر عليها. وقالت المؤسسة إن "حجم الأراضي التي لا تزال خاضعة له يعتمد على الطريقة التي تنظر إليه وتقيسه"، في حين يقول المحلل البارز في المؤسسة فراس أبي علي: "لو شملت الصحراء، فإن التنظيم خسر نصف ما كان يسيطر عليه قبل عام".
وجدت ميريمان أنه "بدلا من ذلك، فإنه من المناسب النظر إلى المدن التي كان يسيطر عليها التنظيم وخسرها، فبخروج منبج عن سيطرته فإنه خسر المعابر إلى المناطق الحدودية مع تركيا، التي تعني وصول المقاتلين الأجانب، والسلاح، والذخيرة، بالإضافة إلى أن خسارة المدن تعني تراجع القدرات المالية".
أمّا أبو علي، فقال: "عندما تسيطر على الأرض والناس فإنك تحصل على الموارد، وتستطيع ابتزاز السكان، وعندما تخسر المناطق فإنك تخسر الموارد المالية، ما يعني قلة الأموال المتوفرة"، ويقدر أبي علي أن "التنظيم خسر ثلث قدراته لكسب المال، وتوقع هزيمته بشكل كامل في نهاية عام 2017".
وأشارت الكاتبة إلى أنّ "حسن حسن، الذي سيطر التنظيم على بلدته قبل عدة سنوات، يعمل في معهد التحرير في واشنطن، واستطاع خلال السنوات القليلة الماضية الحديث مع مقاتلي التنظيم من خلال الإنترنت"، ويعلق قائلا: "هم خائفون بالتأكيد، وتخرج بانطباع أن الكثير من الناس فقدوا المعنويات والحماسة التي كانوا يملكونها عام 2014 عندما انضموا لـ(الدولة الإسلامية)، لأنها كانت (خلافة) وكانت تتمدد".
وعلَّقت ميرمان قائلةً: "أما اليوم، فإن الخلافة تتقلص، ويغادرها آلاف المقاتلين، إضافة إلى من قتلوا في ساحات المعركة"، ويعتقد حسن أن تنظيم الدولة خسر نصف من قاتلوا في صفوفه، وهناك من لم يقاتلوا معه، لكنهم قدموا له الدعم، أو تسامحوا مع وجوده، وهم إن لم يكونوا كثرة، إلا أن وجودهم سهل مهمة التنظيم للسيطرة على مدنهم وبلداتهم، وهؤلاء تغيروا هم أيضاً". وقال حسن: "لم يفهم السكان في العراق وسوريا تنظيم الدولة في البداية، لكنهم اليوم يفهمونه، ولم يعد السكان يتحدثون عنه بالطريقة التي كانوا يتحدثون فيها عام 2014 ذاتها".
ومن هنا، يبدو أن تنظيم الدولة بدأ يتقبل مصيره. ففي النسخة العربية من مجلة (دابق) بدأ يتحدث عن الانسحاب، وقال حسن: "بدؤوا يحضرون مقاتليهم نفسيا للانسحاب إلى الصحراء، ويقومون ببث أشرطة فيديو لمقاتلي التنظيم في معارك في الصحراء، وهذه الأشرطة جديدة"، وهناك أسئلة حول خسارة الأرض، والمقاتلين، والمال، وماذا يعني هذا كله لاستقرار التنظيم وقدرته على شن هجمات جديدة"؟
وأوردت الكاتبة نقلا عن مدير مركز السياسات الدولية للدفاع والأمن في مؤسسة "راند" سيث جونز، قوله: "تتحول الدولة الإسلامية من منظمة تسيطر على مساحات واسعة، إلى جماعة إرهابية، تقوم بتنفيذ هجمات ضد أهداف محددة"، مشيرا إلى أنه في عام 2014 كان عدد الهجمات التي ينفذها التنظيم كل شهر ما بين 150 إلى 200 هجوم، مقارنة بعام 2016، حيث بلغ عدد الهجمات التي نفذها كل شهر 400 هجوم".
وقال جونز: "يحاولون تشجيع الناس الذين يعتقدون أن التنظيم في تراجع لمواصلة القتال؛ وذلك من أجل إظهار أنهم يقاتلون، ويستهدفون الكفار"، مشيراً إلى أن "تنظيم الدولة يرغب بضرب الدول التي تشارك في الحملة ضده، مثل بريطانيا، والولايات المتحدة، وأستراليا، إلا أن تراجع ماليته يجعل من تحقيق هذا الطموح أمرا صعباً".
وجدت ميريمان أنه "لهذا كله بدأ التنظيم يعتمد على أفراد ليقوموا بهجمات فردية، ولم يعد قادته يخططون للعملات المعقدة، وبدأ ببناء فروع له في أفغانستان، ونيجيريا، وأفغانستان، والسعودية، والجزائر، ومصر، وفي أجزاء من أوروبا، لكنه يتعرض لضعوط في هذه المناطق، وهنا يبزر السؤال الآتي: إلى متى سيظل التنظيم يلهم الأفراد للقيام بهجمات؟ وهل سيأتي وقت يفقد فيه القدرة على شن هجمات"؟
وتابع جونز: "عند نقطة ما ستتراجع هذه الهجمات، عندما يبدأ التنظيم بالخسارة بشكل واسع، ولا يعرف متى تأتي هذه اللحظة لتنظيم الدولة، لكنني لا أعتقد أنها قريبة، لكنها ممكنة على المدى المتوسط، ويقول الخبراء إن خسارة التنظيم معقله في العراق، وهي مدينة الموصل، ومعقله في سوريا مدينة الرقة، باتت مسألة وقت".
ونقلت الكاتبة عن الباحث في مدرسة لندن للاقتصاد، ومؤلف كتاب "تنظيم الدولة: تاريخ" فواز جرجس، قوله: "حتى لو تم تفكيك أراضي الخلافة في العراق وسوريا، فإن هذا لا يعني نهاية التنظيم".
وعلى الرغم من أن تنظيم الدولة يشترك مع بقية الجماعات، مثل تنظيم القاعدة، في أيديولوجيتها، إلا أنه يختلف في عدد من الملامح: فقد غزا مدنا، ومحا الحدود، وأعلن دولة، وأضفى التنظيم بعدا جديدا على الجهادية العالمية، بحسب جرجس، الذي يقول: (سيظل نموذج الخلافة يلاحق خيال الجهاديين لأعوام قادمة.
وقالت ميريمان إن "السؤال الأخير: "ماذا سيظل من تنظيم الدولة"؟ وخلصت "بي بي سي" إلى القول إنه "قبل عام، لم يتوقع أحد خسارة التنظيم مناطقه بهذه السرعة، ومع خسارته مناطق، فإنه سيخسر مقاتلين، وفي النهاية ما هو معنى (الدولة الإسلامية) دون دولة؟ فهل انتهت "الدولة الإسلامية"؟ نعم وعندها سيبدأ التمرد".
(CNN)