في اليوم الثاني من ولايته رئيساً للولايات المتحدة، يكمل دونالد ترامب تصريحاته الصادمة في هجوم واضح على الصحافة من مقر الـ»سي آي أيه» هذه المرة، معتبراً أن الإعلاميين هم من أكثر الناس خداعاً في العالم، في ظل تظاهرات حاشدة في أنحاء الولايات المتحدة وعدة عواصم عالمية ضد سياساته التي أعلنها في خطابه الرئاسي. وتشير التقديرات إلى أن عدد المحتشدين في مظاهرات واشنطن ضد ترامب أكبر من العدد الذي اجتمع لمراسم تنصيبه.
ويشارك مئات الآلاف من النساء في مسيرة في واشنطن ضمن يوم من المظاهرات في شتى أرجاء العالم ضد الرئيس الأميركي في أولى أيامه في البيت الأبيض. ومن المتوقع أن يحضر المسيرة الحاشدة في المدينة بعض المشاهير، ونشرت متظاهرة من كاليفورنيا تدعى جيسيكا فرومان صورة رحلة طيران متجهة إلى العاصمة الفدرالية تمتلئ فيها الطائرة بالنساء، وكتبت «هذا كيف يبدو الأمل أيها الناس».
وقال نائب عمدة المدينة كيفن دوناهيو إن المنظمين رفعوا توقعاتهم لأعداد المشاركين من 200 ألف إلى نصف مليون، مع استمرار تدفق المحتجين الى شوارع المدينة. ولا تصدر واشنطن عادة أرقاماً رسمية لعدد المشاركين في التظاهرات، إلا أن أحد أكبر شوارعها اكتظ بالمحتجين لدرجة استحال السير على مدى 1,5 كيلومتر، فيما تحدثت هيئة المواصلات عن تضاعف عدد مستخدمي وسائل النقل العام في المدينة.
وحاكت الكثير من النساء قبعات وردية، إشارة إلى تسجيل انتشر في الحملة الانتخابية تحدث فيه ترامب عن تصنيفه للنساء. وقال منظمو مظاهرة واشنطن في بيان إن «اللغة المستخدمة في الحملة الانتخابية السابقة أهانت وشيطنت وهددت الكثير منا«.
وأضاف البيان أن «مسيرة النساء في واشنطن ستبعث برسالة واضحة لحكومتنا الجديدة في يومها الأول في الحكم، وسترسل رسالة للعالم تقول إن حقوق المرأة هي حقوق البشر جميعا«. وقال المنظمون إن المظاهرات لن تكون فقط عن حقوق المرأة وستجذب «الناس من جميع الأجناس والأعمال والأصول العرقية والثقافات والانتماءات السياسية».
وفي لوس أنجليس، شارك أكثر من نصف مليون شخص بحسب الشرطة و750 الفاً وفقاً للمنظمين، في تظاهرة من أجل الحقوق المدنية وضد ترامب بعد يوم من تنصيبه.
وتجاوز عدد المشاركين في «مسيرة النساء» في المدينة أعداد الأشخاص الذين شاركوا في تظاهرة حول الهجرة عام 2006 حسب ما قال المتحدث باسم الشرطة اندرو نيمان، مضيفاً أن هذا هو التجمع الأكبر الذي نشهده في المدينة منذ ثلاثين عاماً.
أما في نيويورك فقال المنظمون إن التظاهرة التي خرجت في المدينة شارك فيها اكثر من 500 ألف شخص، بينما خرج 250 الفاً في شيكاغو. وقال نائب عمدة المدينة كيفن دوناهيو إن المنظمين رفعوا توقعاتهم لأعداد المشاركين من 200 ألف إلى نصف مليون مع استمرار تدفق المحتجين الى شوارع المدينة.
وخرجت مسيرات مماثلة في عدد من المدن الأميركية منها بوسطن ودنفر.
وتعكس هذه «المسيرات النسائية» التي تأمل جمع نصف مليون شخص في العاصمة واشنطن، من كل أنحاء البلاد وفق تقديرات جديدة للمنظمين، الانقسام داخل المجتمع الأميركي حول خطاب التنصيب للرئيس الأميركي الجديد.
وأعلنت منظمات هذه المظاهرات أن نحو 300 «مسيرة شقيقة» ستجرى في مدن أخرى في الولايات المتحدة بينها نيويورك وبوسطن ولوس أنجلوس وسياتل.
وتأتي التظاهرات غداة فوضى وأعمال شغب خلال مواجهات بين مئات المتظاهرين المعادين لترامب وعناصر الشرطة أدت الى حرق السيارات وتحطيم الواجهات الزجاجية للمتاجر ووضع حاويات النفايات كمتاريس بينما ردت الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع.
وبدأت المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية في واشنطن ومدن أميركية عدة أخرى أثناء حفل تنصيب ترامب وبعده، حيث حطمت مجموعة من المحتجين واجهات متاجر ونوافذَ سيارات في واشنطن، بعد مناوشات مع الشرطة التي حاولت منعهم من عرقلة توافد المؤيدين الى مكان حفل التنصيب.
واعتقلت الشرطة الأميركية 217 شخصاً في واشنطن خلال الاحتجاجات بسبب التخريب والعنف ضد مسؤولي إنفاذ القانون، وفق رئيسة بلدية واشنطن موريل باوزر.
ووقعت اشتباكات خارج محيط مقر الاحتفال أمام مبنى الكابيتول، وحطم المحتجون أيضاً بضع سيارات وقذفوا سلالاً للقمامة وصناديق لبيع الصحف في الشوارع، وقامت الشرطة بتفريق معظمهم قبل نحو تسعين دقيقة من أداء ترامب اليمين في مقر الكونغرس على بعد 2.4 كيلومترين.
وذكرت تقارير إخبارية أنه جرى تحطيم نوافذ متاجر ستاربكس وماكدونالدز، وفقاً لصور تم نشرها على موقع «تويتر«، وأغلقت السلطات شوارع عدة أمام حركة المرور، وتمركز ضباط يرتدون الزي العسكري عند نقاط التفتيش، كما شهدت مدينة لوس أنجلوس مظاهرة شارك فيها مئات الأميركيين رفضاً لتولي ترامب الرئاسة.
وركّز المحتجون انتقاداتهم على تعليقات سابقة من ترامب لمن وصفهم بالمجرمين من المكسيكيين والمهاجرين من دول أميركا اللاتينية، وقال المتظاهرون إن أميركا لا تقبل بمن سموهم الفاشيين والعنصريين.
وفي مدينة بالتو بولاية كاليفورنيا أيضاً، تظاهر العشرات من العاملين في مجال التكنولوجيا أمام مبنى شركة «بالانتير» للمطالبة بتوضيح موقفها بخصوص التعاون مع الرئيس الأميركي الجديد في جمع سجل بيانات للمسلمين في الولايات المتحدة.
وعبرت شركات تقنية كبيرة عن رفضها التعاون مع ترامب بخصوص تكوين قاعدة بيانات للمسلمين، من بينها غوغل وفيسبوك وآبل، إضافة إلى مايكروسوفت التي أكد المتحدث باسمها أن الشركة تعارض التمييز ولا يُمكنها القيام بعمل يهدف إلى بناء قاعدة بيانات للمسلمين الأميركيين.
وفي مسعى إلى رأب الصدع مع المخابرات المركزية الأميركية، قام الرئيس الأميركي الجديد بأول زيارة رسمية لوكالة حكومية بعد توليه سدة الرئاسة، وسعى ترامب الذي سبق له القول بأن أساليب المخابرات الأميركية تذكره بألمانيا النازية، إلى تبديد أي شك لدى مسؤولي المخابرات في أنه يدعم عملهم. وهو قال وسط هتافات وتصفيق حاد «لا يقدر على ما تقومون به سوى عدد قليل جداً جداً من الناس، وأريد منكم أن تعرفوا أنني أدعمكم جداً».
وأوضح ترامب أن قتال تنظيم «داعش» سيكون له الأولوية للوكالة، قائلاً إنه «يجب استئصال الإرهاب الإسلامي الراديكالي». وصرّح بقوله «لم نشهد مثيلاً للشر الذي يرتكبه تنظيم «داعش».. لا خيار لدينا سوى القضاء على هذا التنظيم».
وقبل الخطاب قال بعض المحللين إن الأمر سيستغرق أكثر من زيارة سريعة لترامب قبل أن يتمكن من تحسين العلاقات مع مجتمع المخابرات الذي شوه ترامب صورته. وقال إن الخلاف مع وكالات المخابرات ضخمته وسائل الإعلام، معلناً لرجال الـ»سي آي أيه» أنه «في حرب مفتوحة مع وسائل الإعلام» وتابع ترامب قائلاً إن «الإعلاميين من بين أكثر الناس خداعاً على وجه الأرض».
وترامب الذي بدأ أولى أيامه في السلطة رئيساً للولايات المتحدة بالطريقة التي بدأ بها حملته الانتخابية بخليط من فن الإقناع وازدراء واضح للنظام السياسي القائم، يرسل إشارة واضحة للدولة والعالم بأنه يعتزم أن يحكم بالنهج ذاته الذي أبداه في حملته رافضاً انحيازه حتى لحزبه الجمهوري وموجهاً رسالته مباشرة للشعب الأميركي أنه لن يفعل شيئاً لتبديد المخاوف التي أرساها خلال حملته الانتخابية ولم يقدم شيئاً يُذكر من أغصان الزيتون لعشرات الملايين من الأميركيين الذين لم يصوتوا له في أكثر الانتخابات انقساماً في التاريخ الحديث للولايات المتحدة.
وقال جوليان سليسر مدرس التاريخ بجامعة برينستون إن خطاب ترامب انطوى على «مزيد من مشاعر الغضب التي ظهرت جلية في حركات الجسد والألفاظ مقارنة بالماضي» حيث استخدم ترامب يديه كثيراً للتأكيد على عبارات معينة. وبدا كأنه يتحدث مباشرة إلى أنصاره والمتحمسين له فقط.
وقال توماس ألان شوارتز وهو مؤرخ لشؤون الرئاسة في جامعة فاندربيلت إن الصورة التي رسمها ترامب «لا يوافقه عليها على الأرجح كل الأميركيين.» وأضاف أن ترامب ما زال يعول على «شعور بالأزمة الوطنية والتراجع«.
وفي أنحاء العالم كذلك تظاهر آلاف المحتجين في أستراليا ونيوزيلندا ضمن مئات المسيرات التي خرجت في أوروبا وشتى أنحاء العالم، لإظهار عدم الموافقة على الرئيس الأميركي الجديد مع بدء أول يوم له في السلطة.
ففي سيدني كبرى مدن أستراليا، تجمع نحو ثلاثة آلاف شخص من الرجال والنساء للتظاهر في هايد بارك قبل السير إلى مبنى القنصلية الأميركية وسط المدينة.
وقالت منظمة المسيرة ميندي فرايباند «لا نقوم بالمسيرة كحركة مناهضة لترامب في حد ذاته، إنما احتجاجاً على خطاب الكراهية ولهجة الخطاب البغيضة وكراهية النساء والتعصب وبغض الأجانب، ونريد طرح صوت موحد للنساء في كل أنحاء العالم«.
وفي وقت سابق قام نحو ألفي شخص بمسيرة سلمية في أربع مدن في نيوزيلندا، حسبما قالت بيتي فلاغلر منظمة مسيرة ويلنغتون.
ومن المزمع تنظيم نحو 673 مسيرة نسائية في شتى أنحاء العالم بالإضافة إلى احتجاج في العاصمة واشنطن، وذلك حسبما قال موقع لمنظمي المسيرات على الإنترنت، مشيراً إلى أن من المتوقع مشاركة أكثر من مليوني شخص فيها.
وكانت مدن أوروبية شهدت مظاهرات ومسيرات عدة بُعيد تنصيب الرئيس الأميركي الجديد، حيث تظاهر بريطانيون أمام السفارة الأميركية في لندن، وردد المتظاهرون شعارات مناهضة لخطاب ترامب المعادي للمسلمين والمهاجرين.
وعلق مناهضون لترامب لافتة على تاور بريدج حملت أيضاً عبارة «فلنبنِ جسوراً لا جدراناً«.
وفي العاصمة الألمانية برلين تجمع المئات من أصول وأديان شتّى قرب بوابة براندنبورغ رافعين شعارات تعبر عن رفضهم رئاسة الرئيس الأميركي الـ45.
كما شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل احتجاجاً مماثلاً أمام مبنى «تياتر دو لا مونيه»، تجاوباً مع دعوة العديد من الجمعيات الحقوقية والبيئية والأحزاب اليسارية والمنظمات النسوية.
وكان ترامب قد أدى الجمعة اليمين الدستورية رئيساً للولايات المتحدة خلفاً لـباراك أوباما، في حفل أقيم في الساحة المقابلة للكونغرس. وتعهد في خطاب التنصيب باتباع سياسة «أميركا أولاً« واقتلاع ما وصفه بـ»التطرف الإسلامي»، ملمحاً إلى نيته العمل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما وعد بتغيير الأوضاع في أميركا.
واتفق الرئيسان الأميركي والمكسيكي خلال الاتصال الهاتفي الأول بينهما منذ تولي دونالد ترامب السلطة، على أن «يلتقيا في المستقبل القريب»، على ما أعلنت الرئاسة المكسيكية. وقد اتفق الرئيس المكسيكي انريكي بينيا نييتو وترامب الذي كان تبنى خلال حملته الانتخابية خطابا قاسيا ازاء المكسيك، على تعزيز حوار ثنائي «جديد».
وأعرب بينيا نييتو عن «رغبة المكسيك في العمل (...) بنهج يسوده الاحترام»، بحسب بيان الرئاسة المكسيكية.
وفي تعليق لها على خطاب التنصيب لترامب، قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إنها تعتزم العمل على تقارب المواقف بين بلادها والولايات المتحدة في عهد ترامب عسكرياً وتجارياً.
وحثت ميركل خلال اجتماع لحزبها «المسيحي الديمقراطي» في مدينة شونتال، على التعامل مع الإدارة الأميركية الجديدة باحترام وعلى أساس القيم المشتركة. وقالت إن «العلاقة على جانبي الأطلسي لن تكون خلال السنوات القادمة أقل أهمية مما كانت عليه سابقاً«، مشيرة إلى أن ترامب أوضح قناعاته مجدداً وبصورة واضحة خلال خطاب التنصيب.
وأكدت المستشارة الألمانية أن تبادل وجهات النظر باحترام هو أفضل الطرق للتوصل إلى حلول توافقية عند اختلاف الآراء، واعدة بأن تعمل برلين على الإسهام بدور في هذا الخصوص من خلال رئاستها لمجموعة العشرين في العام الحالي.
ويستقبل ترامب الجمعة في البيت الابيض رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، على ما اعلن المتحدث باسمه. وقال شون سبايسر ان «الرئيس سيستقبل اول مسؤول خارجي» عندما تأتي ماي «الجمعة الى واشنطن».