من أصل 950 كلم وهي المساحة الإجمالية للحدود السورية - التركية، سيطرت "وحدات حماية الشعب الكردي" حتى الآن على 750 كلم. وتعتبر سيطرتها قبل أيام على معبر تل أبيض مع الحدود التركية ومدينتها المسكونة بغالبية عربية سنّية، مرحلة استراتيجية في مشروع بات واضح المعالم، وهدفه إنشاء حزام أمنيّ كردي سوري يمتدّ على طول الحدود مع تركيا ويؤدّي أيضاً الى فصل مناطق "داعش" في سوريا عن تركيا.
بعد سيطرتها على تل أبيض ستتّجه وحدات حماية الشعب الكردي للسيطرة على مدينة جرابلس ومِعبَرها عند الحدود السورية مع تركيا، وستؤدي سيطرتها المتوقعة عليها نتيجة دعم التحالف الدولي المحسوم، الى رسم الشكل النهائي لخريطة الديموغرافيا الكردية في سوريا المرشحة لأن تُدشّن مسار ولادة صيغة "كردستان 2" في المشرق.
وتسلط معلومات متقاطعة مستقاة من تقارير ديبلوماسية ومصادر متابعة الضوء على هذا التطوّر، انطلاقاً من خفايا تكشفها عن وقائع سبقت معركة تل ابيض ومهّدت لها، إضافة إلى دلالاتها على مستقبل سوريا وموقعها غير المرئي داخل سلّة الأهداف الحقيقية للحرب الدولية ضد "داعش" وصولاً إلى تفاعلاتها كما تمظهرت في كواليس أنقرة.
ماذا عن تفاصيل كلّ هذه الخفايا؟
أولاً - يرسم جزء من هذه المعلومات التي اطلعت عليها "الجمهورية"، سيناريو عن الخفايا التي سبقت بدء معركة تل أبيض ومثّلت إنطلاق مشروع تنفيذ انشاء المنطقة الكردية على طول المنطقة السورية المحاذية للحدود مع تركيا.
وتكشف ضمن هذا الاطار أنه قبل أسابيع قليلة من فتح "وحدات الحماية الكردية" معركة تل ابيض، تسرّبت معلومتان عن نشاط خفي لـ"صالح مسلم" زعيم حزب الاتحاد الديموقراطي التابعة له "وحدات حماية الشعب الكردي" في سوريا.
اوّلهما استئجار مبعوثين له خلال الشهر الماضي شقة في شارع الشانزليزيه في باريس، وذلك تمهيداً لجعلها مقراً له صفة "مكتب تمثيلي لأكراد سوريا" في فرنسا. وثانيهما تجسّدت بكشف محازبين له يقيمون في باريس عن أنّ حزب الاتحاد الديموقراطي في صدد انشاء قناة تلفزيونية فضائية تخصّ أكراد سوريا. وأكدت مصادر هذه التسريبات حينها أنّ هذين التطورين يأتيان تنفيذاً لنصيحة اميركية لصالح مسلم بأنّ عليه السعي لـ"إنشاء حيثية قائمة بذاتها لاكراد سوريا تكون مستقلة عن أكراد كردستان العراق".
ثانياً - تلفت المعلومات نفسها التي تحاول مواكبة خفايا السيناريو الكردي القائم الآن على الحدود السورية مع تركيا، الى حقيقة تعتبرها موحية ومفادها أنّ توقيت بدء هجوم "وحدات حماية الشعب الكردي" تزامن مع صدور نتائج الانتخابات التركية التي أظهرت أنّ أكراد تركيا أصبحوا ثقلاً وازناً داخل اللعبة السياسية الداخلية التركية، وأنهم احتكروا مهمّة منع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من تحصيل غالبية انتخابية تتيح له تعديل الدستور، ما يجعله رئيساً بصلاحيات كبيرة وقادراً على الاستمرار في مشاريعه الخارجية والداخلية.
وترى هذه المصادر أنّ هذه الدلالات جعلت نتائج الانتخابات تبدو كأنها "هزيمة اردوغان الكردية"، وانها شكلت نوعاً من الغطاء السياسي الذي استغلته وحدات الحماية الكردية لبدء معركة تل ابيض.
ما هو ردّ أردوغان؟
ترى المصادر عينها أنّ انقرة تجري تقويماً لمعركة تل ابيض انطلاقاً من خلفياتها الاميركية، وذلك عبر طرح أسئلة من نوع: اذا كانت معركة تل ابيض جزءاً من قتال التحالف الدولي ضدّ "داعش"، فلماذا غضّ الاخير النظر عن تقدّم "داعش" من الرقة الى تدمر؟"
تخلص الإجابة التركية الى تأكيد أنّ الهدف ليس "داعش"، بل رسم خريطة مستقبل الأكراد في سوريا وذلك على نحوٍ يتباين مع نظرة تركيا الى مصالح أمنها القومي.
تلاحظ التساؤلات التركية أنّ السيناريو نفسه الذي اتبعته واشنطن تجاه أكراد العراق يتكرّر الآن تجاه أكراد سوريا. وجوهر فكرته هو البدء بمقاربة مستقبل البلدين انطلاقاً من تثبيت الوضع الكردي فيهما ضمن مربّع ديموغرافي محمي، فيما تترك الطوائف الاخرى الاسلامية والمسيحية نهباً لنزاع دموي طويل، تتقصّد واشنطن التباطؤ في وضع حدٍّ له.
تؤكد هذه المصادر أنّ اردوغان لا يملك حتى الآن خياراتٍ واضحة لإحباط مشروع المنطقة الكردية على حدوده السورية على رغم وجود مقولة تنصحه بضرورة أن يبدأ هذه المواجهة من خلال تصحيح الخلل في وضعه الداخلي الذي أنتجته الانتخابات التركية الاخيرة والذي شكل غطاءً سياسياً لبدء تنفيذ مشروع المنطقة السورية الكردية الحدودية مع تركيا.
وتفيد هذه النصيحة أنّ على أردوغان أن يأخذ المسار السياسي الراهن في تركيا الى أفق تأليف "حكومة الأقلية"، وهو إجراء يتيحه له الدستور التركي ويفضي الى إجراء انتخابات عامة مبكرة بعد ستة اشهر.
ويراهن هذا الخيار على أنّ هذه الانتخابات ستعيد الغالبية إلى أردوغان، ما يجعل موقعه أقوى في مواجهة مشروع إنشاء المنطقة الكردية السورية على حدود بلده. ولكن حتى هذا الخيار المتوافر يبدو ضعيفاً، لأنّ المتوقَع على نطاق واسع هو أنّ أيّ انتخابات جديدة لن تُغيّر معادلة الانتخابات الاخيرة، إذ سيستمرّ حزب الشعوب الكردي بالحفاظ على نسبة أصواته نفسها.
ثالثاً - تدرج المصادر عينها دلالة أخرى لمعركة تل ابيض كونها كشفت هدفاً استراتيجياً راهناً لواشنطن في حربها ضدّ "داعش". وفي تفاصيله أنّ السماح لـ"داعش" بالوصول الى مدينة تدمر كان يرمي الى إجبارها على تغيير بوصلة اتجاه تمدّدها.
بمعنى آخر إنّ "داعش" قبل وصولها الى تدمر كان نطاق تمدّدها ونشاطها يجري فوق الجغرافيا الواقعة غرب نهر الفرات، أما بعد تدمر فإنّ حيوية اتجاهات تمدّدها وفعالياتها العسكرية ستتركز فوق الجغرافيا الواقعة شرق نهر الفرات.
ويأتي طردها من مواقعها في المنطقة السورية المحاذية للحدود مع تركيا ليخدم هذا الهدف الاستراتيجي. وكان هذا المسار العسكري لجعل "داعش" تنتقل الى شرق خط الفرات في سوريا، قد بدأ منذ كانون الثاني الماضي عندما نجَحت وحدات حمايَة الشعب الكردي بدعم التحالف الدولي، من السيطرة على 296 قرية ليصبح نهر الفرات خطاً فاصلاً بين الفريقين غرب مجراه وشرقه. ولكنّ "داعش" بقيت تسيطر على مدينة جرابلس التي يدخل منها نهر الفرات الى سوريا والواقعة غرب خطه.
ويبدو أنّ "داعش" أدرَكت حينها أنّ الهدف هو إبعادها من مناطق غرب الفرات، ففجّرت بعد انسحابها من قرى ريف غرب عين عرب، الجسر الذي يربط بين بلدة الشيوخ الفوقاني (شرق الفرات) وطريق جرابلس - منبج، وذلك تحسّباً لأن تطاردها لجان حماية الشعب الكردي الى جرابلس.
وترسم هذه المصادر خريطة سير المعارك بين الأكراد و"داعش" بعد معركة تل أبيض، حيث ترى أنّ "أُمّ المعارك" المقبلة ستتّجه الى إخراج "داعش" من جرابلس وبالتالي من كلّ منطقة ما وراء خط غرب الفرات، ثم تليها معركة وصول وحدات الحماية الكردية الى عفرين، وبذلك يكتمل إنشاء المنطقة الكردية التي ستترك تغيرات استراتيجية يمكن تلخيصها بالآتي:
أ - تشكّل منطقة عازلة بين "داعش" وتركيا.
ب - إقفال كلّ الحدود التركية مع سوريا. بمعنى آخر نشوء وضع مستجدّ تصبح فيه تركيا غير قادرة على تمرير أيّ مساعدة الى شمال سوريا من دون مرورها بالمنطقة الكردية؛ ما يعني عملياً تقليم أظافر النفوذ التركي في شمال سوريا.
وعند هذه النقطة من الخلاصات تطرح المصادر عينها أسئلة مهمة عن وظيفة "داعش" الجديدة بعد دفع كلّ فعالياتها الى الميدان الجديد شرق الفرات في سوريا، وعن الطريقة التي ستعوّض فيها خسارة طرق إمدادها عبر الحدود التركية، اضافة الى أسئلة اخرى عن السبل التي ستعتمدها المنطقة الكردية السورية بعد اكتمالها لتأمين طرق إمداد لها من الخارج؟
وتفيد الاجابات عن الأسئلة الآنفة أنّ "داعش" بعد خسارتها المتوقعة لجرابلس ستصبح مجبَرة على البحث عن منافذ إمداد جديدة، خصوصاً أنّ وجود تواصل لمنطقتها في سوريا مع منطقتها في العراق لا يؤمن لها أيّ منافذ خارجية صالحة للاستيراد منها، وعليه فإنها ستكون مجبَرة للتوجّه الى واحد من منفذين متبقّيَين لها، الاول يقع في الساحل السوري ويحول دون السيطرة عليه صعوبات عسكرية كبيرة ترقى الى درجة انها مستحيلة.
والثاني التوجّه من مواقعها في مدينة تدمر في اتجاه بلدة فرقليس حيث يوجد اول خط دفاعي للجيش السوري لخوض معركة القُصير في ريف حمص. وهدف معركة القُصير هو تجاوز مدينة حمص والمناطق الشيعية اللبنانية لبلوغ بلدة تلكلخ فعكار فطرابلس.
أما من طرق إمداد المنطقة الكردية بعد اكتمالها، فتلاحظ المصادر عينها أنّ هذه المنطقة لا تملك أيّ منافذ على العالم، خصوصاً أنّ حدودها مع تركيا لن تكون حدود صداقة. وعليه فإنّ المنطقة الكردية الوليدة ستكون مضطرة لإقامة علاقة مع النظام السوري المسيطر على منطقة الساحل السورية التي تؤمّن لها المنفذ اليتيم الى الخارج، وذلك عبر ممرّ في جبل الأكراد يربط عفرا في المنطقة الكردية بشواطئ اللاذقية.
(ناصر شرارة ـ
الجمهورية)