يمتلئ تاريخ الجمهورية التركية منذ تأسيسها مع إسقاط الدولة العثمانية عام 1923 بالتوترات المدنية العسكرية. فبعد إنشاء أتاتورك للجمهورية، ورغم إقرار الدستور التركي منع اشتغال العسكريين بالسياسة، احتفظ هذا الدستور بمادة غامضة تكلف الجيش بحماية علمانية الدولة. وهي المادة التي استخدمها الانقلابيون في الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات لفرض رؤاهم على الساسة المنتخبين. لكن المحاولة الانقلابية الأخيرة في 15 تموز 2016 كانت مختلفة بشكل جذري، ففيها أدار المدنيون العسكريين لتنفيذ الانقلاب.
في هذا التحقيق الموسّع الذي قام به الصحفيان يلدراي أوغور وجيرين كينار رصد الأدلة والوثائق وحتى الصور والفيديو التي تكشف بجلاء عن دور حركة فتح الله غولن في محاولة الانقلاب التي لا تزال تبعاتها مستمرة في تركيا ويبدو أنها ستستمر لفترة طويلة قادمة.
جرت أحداث محاولة الانقلاب الفاشلة الأولى في تركيا، في الثاني والعشرين من شباط عام 1962. ففي الانتخابات التي عُقدت بعد إعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس، فازت الأحزاب التي كانت امتداداً لحزبه، فازت بالأغلبية. أزعجت النتائج مجموعة كمالية متطرفة في الجيش، وحاول قائد الأكاديمية العسكرية طلعت أيديمير تنفيذ انقلاب عسكري. قُمع الانقلاب بصعوبة، وطُلب من أيديمير أن يستقيل ثم تم العفو عنه. ومع ذلك، حاول نفس الرجل القيام بانقلاب آخر، في 21 أيار 1963. دارت اشتباكات أمام البرلمان، وقصفت الطائرات الأكاديمية العسكرية، واستسلم الانقلابيون. هذه المرة، أُحضر الجنرال للمحكمة التي حكمت عليه بالإعدام. أثناء محاكمته هتف أيديمير "إذا أطلقتم سراحي اليوم، فسأنظم محاولة انقلاب أخرى".
بعد 53 سنة من ذلك التاريخ، وفي ليلة الخامس عشر من تموز 2016، شهدت تركيا محاولة انقلاب أخرى.
دخلت ليلة الخامس عشر من يوليو تقويم الجمهورية التركية باعتبارها ليلة الانقلاب الأكثر دموية في البلاد، وأول انقلاب توقفه المقاومة الشعبية وصمود الجماهير.
فقد 246 شخصاً حياتهم أثناء مقاومتهم للانقلابيين، وجُرح أكثر من 2000 آخرين. فيما استمرت الفعاليات المؤيدة للديمقراطية لستة وعشرين يوماً في الميادين التركية.
وعلى الرغم مما فعلوه، لم يتمكن انقلابيو، 15 تموز، من فعل ما كان الانقلابيون قبل 53 عاماً قادرين على القيام به. فحتى الجنرالات الكبار الذين انغمست أيديهم في الدماء لم يعترفوا بمشاركتهم في الانقلاب، واستمروا في إنكار تورطهم في المحاولة.
وهذا هو سبب عدم امتلاكنا أي معلومات عن دوافع وأهداف المتآمرين، في 15 تموز، باستثناء الإعلان الذي قُرئ على التلفزيون الرسمي باسم مجلس "السلام في الوطن"، وبعض التسجيلات الصوتية الأخرى من تلك الليلة.
ومع ذلك، فقد ترك الانقلابيون مجموعةً كبيرة من الأدلة والبصمات أثناء فرارهم بعد هزيمة الانقلاب.
الأدلة التي تُركت في موقع الجريمة
عادل أوكسوز، يعمل كأستاذ مساعد في كلية الإلهيات بجامعة سقاريا الصغيرة، التي تبعد 150 كيلومتراً عن اسطنبول.
سافر أستاذ دراسات الأديان 109 مرات بين 2002 و2016، أي مرة واحدة كل 45 يوماً.
وفي الأشهر الخمسة والعشرين الماضية، سافر أوكسوز 12 مرة إلى الخارج، أي كل شهرين مرة. بدا جدول أعماله مجنوناً، فقد طار إلى نيويورك من إسطنبول، في 26 أيار 2015، وعاد في 18 حزيران، وبعد ثمانية أيام توجه إلى جوهانسبرغ من إسطنبول، وظل هناك ثلاثة أيام ثم عاد. وفي 16 أيلول، توجه إلى جنوب إفريقيا مرة أخرى، ومن هناك إلى الولايات المتحدة، وبعد 9 أيام عاد إلى تركيا. وفي 15 تشرين الأول 2015، توجَّه الرجل إلى الكويت، وإلى ألمانيا في 23 تشرين الأول.
وفي عام 2016 طار أوكسوز كثيراً إلى الولايات المتحدة، ففي 17 آذار توجَّه إلى نيويورك لأربعة أيام فحسب. وفي 20 حزيران توجه إلى مطار جي. إف. كينيدي مرة أخرى، لأربعة أيام أخرى ثم عاد.
لماذا؟ وكيف يمكن لهذا الأكاديمي، والذي لم تكن له أي أبحاث أخرى بعد أطروحته للدكتوراه، وتعيش عائلته بأكملها في تركيا، وراتبه لا يتعدى 1500 دولار، أن يسافر إلى الولايات المتحدة بهذا المعدل؟ الإجابة عن هذا السؤال في هذا الفيديو والصور.
(هافينغتون)