الوحدة العربية حلم تتوارثه الأجيال العربية، ما زال يداعب ذاكرة الكثيرين. هو حلم ينتعش لدى البعض أثناء انعقاد القمم العربية، لكنه سرعان ما يتلاشى.
وبالرغم من كثرة الموارد الطبيعية والبشرية، ووحدة اللغة والجغرافيا، والموقع الاستراتيجي، إلا أن الظروف التي تشهدها المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، والاختلاف بين القائمين على أمور دولها، سواء في التوجه والهدف، أو الرغبة العارمة فى السلطة، تجعل من تحقيق "الحلم" مستحيلاً... أقله على المدى القريب.
ومع ظهور التكتلات العربية، على غرار "مجلس التعاون الخليجي" (1981)، و"اتحاد المغرب العربي" (1989)، ظن البعض هذه الأطر ستكون بديلاً مؤقتاً، أو خطوة في طريق تحقيق "الوحدة العربية"، ولكن سرعان ما تبيّن أنها تكتلات صورية، هدفها خدمة مصالح الحكام وبقاؤهم على العرش، وغير قادرة على تلبية طموحات الشعوب المندرجة فيها. ولعل ما طال بعض دول تلك التكلات مؤخرا من سقوط واتجاه نحو التفتت والانقسام خير دليل على ذلك.
أبرز ما توافق عليه القادة العرب فى القمة العربية السادسة والعشرين، التي اختتمت أعمالها في شرم الشيخ امس الاول، هو إنشاء قوة مشتركة لمواجهة التحديات في المنطقة العربية، الأمر الذي يعد محاولة لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي تعود الى العام 1950.
الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، دعا، في البيان الختامي للقمة العربية، إلى تنسيق الجهود والخطط لتشكيل القوة المشتركة بهدف صيانة الأمن القومي العربي.
ونص قرار تشكيل القوة العربية المشتركة على ان تضطلع بمهام التدخل العسكري السريع، وما تكلف به من مهام أخرى لمواجهة التحديات التي تهدد أمن وسلامة أي من الدول الأعضاء وسيادتها الوطنية وتشكل تهديداً مباشرا للأمن القومي العربي، بما في ذلك تهديدات التنظيمات الإرهابية بناء على طلب من الدولة المعنية.
وزير الخارجية المصري سامح شكري أكد في تصريحات صحافية أن التصور المبدئي للقوة العربية هو أنها دائمة الحضور، ولكنها ليست بالضرورة متمركزة داخل دولة عربية بعينها، موضحاً أنها ستكون جاهزة دائما للتدخل في أي مكان في الوطن العربي حين تستدعي الحاجة ذلك.
أما المتحدث باسم الخارجية المصرية السفير بدر عبد العاطي فأشار الى ان القوة المشتركة ستكون دائمة، والمشاركة فيها ستكون اختيارية، والأمر في ذلك متروك لقرار كل دولة عربية، مشيراً إلى أن القوة العربية المشتركة لديها صفة الديمومة، وآلية عمل ومركز قيادة، ولافتاً إلى أنها ستضطلع بمهام التدخل العسكري السريع، وما تكلف به من مهام أخرى لمواجهة التحديات التي تهدد أمن وسلامة الدول الأعضاء وسيادتها الوطنية، وتشكل تهديدا للأمن القومي، بما فيها تهديدات التنظيمات الإرهابية.
الحديث عن ملامح تشكيل القوة العربية المشتركة، والدول المشاركة فيها، وعدد القوات وقيادتها وأماكن تمركزها، جاء متباينا، اذ ليس هناك حتى الآن أي تحديد واضح لتلك الأمور.
وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية، نقلت عن مسؤولين مصريين رفضوا ذكر أسمائهم أن القوة العربية المقترحة ستتشكل من 40 ألف عنصر من نخبة الجيوش العربية وسيكون مقرها إما في القاهرة أو الرياض. وأضاف المسؤولون أن القوة ستدعمها مقاتلات جوية وسفن حربية.
من جهته، قال مساعد وزير الدفاع الاسبق اللواء اركان حرب نبيل فؤاد لـ "السفير" انه "حتى الآن، ليس هناك أية أرقام حول أعداد تلك القوة"، مشيراً إلى أنها "ستتكون من قوات جوية وبحرية، وبعض من القوات البرية خفيفة التحرك، كالتدخل السريع مثلاً".
وعن الدول المشاركة في القوة المشتركة، قال فؤاد إن "الحديث يدور حول دول لديها قوة عسكرية فاعلة وأوضاعها مستقرة، وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات والأردن. أما الجيش العراقي، على سبيل المثال، فلا يمكن أن يشارك، لأنه يخوض حروبا ضارية ضد تنظيم داعش، ويحتاج الى مساعدة القوة العربية الموحدة، كما أن دول المغرب العربي لن تشارك لأن لديها ظروفاً خاصة فى قراراتها، بالرغم من ان جيوش هذه الدول شاركت معنا فى حرب تشرين الاول العام 1973".
وأضاف فؤاد ان "تجميع القوة المشتركة سيكون في مكان الحدث إن إمكن، شريطة وجود السلطات الشرعية في البلد الذي سيتم التدخل فيه، أما إذا لم تسمح الظروف بذلك، فسيتم التجمّع في أقرب دولة حدودية من مكان الحدث".
وحول كيفية اتخاذ قرار التدخل وطبيعة قيادتها المركزية، قال فؤاد ان "قرار المشاركة فى الحروب يكون تشاوريا وجماعيا بين الدول المشاركة. أما القيادة في الحروب فتكون لدولة واحدة فقط، وهنا من الممكن أن تكون القيادة للدولة التي سيحدث فيها التدخل، أو التي سينطلق منها، كما حدث في حرب السعودية على اليمن، ومن الممكن ايضاً ان تكون القيادة للدولة المشاركة بأكبر عدد من القوات".
وأخيرا تظل الإجابة عن الهدف الرئيسي من تشكل تلك القوة المشتركة،هل هي بسبب الخوف من الإرهاب المتطرف في المنطقة حقًا؟ أم تخوف من تزايد النفوذ الإيراني "الشيعي" في المنطقة؟
سؤال يمثل أحد العوائق المهمة التي ربما تهدد بعدم نجاح ذلك المشروع، خاصة مع ظهور خلافات عربية لاح بعضها في الأفق خلال اجتماعات القمة، تهدد بعدم نجاح المبادرة.
ويشير فؤاد الى ان "حجم وطبيعة القوة العربية المشتركة لا يمكن معرفتها قبل أن يجتمع رؤساء أركان الدول المشاركة الذي يحددون أهدافها بالضبط، وبالتالي حجمها وطبيعتها وقواعد عملها".
ويضيف فؤاد "مسألة تغيير التوازن الإقليمي لا يمكن معرفتها إلا إذا عرفنا حجم تلك القوة، وغالباً المشارَكة فيها ستكون جزئية، إن كل دولة ستشارك بجزء من قواتها، وتغيير التوازن الإقليمي سيحدث إذا تم تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشتركة، وهو ما يحتاج لإرادة لا أظنها متوفرة الآن. وعلى أي حال، فإنّ الأمر لا يزال يحتاج الى الكثير من التفاصيل. ولكن القرار في حد ذاته خطوة على الطريق الصحيح، وإن كان تاريخنا العربي لا يبعث على الكثير من التفاؤل".
(أحمد علام ـ السفير)