دعا البابا فرنسيس الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استخدام رئاسته لنشر السلام في العالم، فيما تبادل الرجلان ابتسامات في أوّل لقاء مباشر بينهما في الفاتيكان، والذي استمر اللقاء أقل من 30 دقيقة، وانتهى بابتسامات على وجهي الرجلين، على الأقل أمام الكاميرات. ولاحقاً قال الرئيس عن البابا: "إنّه شخص مميز.. لقد عقدنا لقاء رائعاً".
ووصف الفاتيكان اللقاء بين الرجلين بأنّه "ودّي"، مؤكّداً على موقفهما المشترك من الإجهاض، وقلقهما المشترك بشأن المسيحيين المضطهدين في الشرق الأوسط. ولم ترد تصريحات من الطرفين حول الخلافات العميقة بينهما بشأن التغيّر المناخي والهجرة وعقوبة الإعدام وغيرها من القضايا. وقال ترامب للبابا: "أشكرك أشكرك. لن أنسى ما قلته".
ميدالية البابا
وقدم البابا لترامب ميدالية محفور عليها شجرة زيتون، الرمز العالمي للسلام. وقال باللغة الإسبانية: "أقدم هذه لك لتكون أنت أداة سلام"، فردَّ ترامب: "نحتاج إلى السلام". وقدم ترامب للبابا العديد من الهدايا، من بينها مجموعة من الطبعات الأولى لكتب ألفها مارتن لوثر كينغ، وتمثال برونزي.
أمّا البابا فقدم لترامب نسخاً من النصوص المهمة الثلاثة التي نشرها أثناء توليه الباباوية، ومن بينها واحدة عن البيئة يدعو فيها الدول الصناعية إلى الحد من انبعاثات الكربون لمنع التبعات الكارثية على كوكب الأرض. ووعد ترامب بقراءة النصوص. وكان قد هدّد سابقاً بتجاهل اتفاق باريس حول الانبعاثات ووصف الاحتباس الحراري العالمي بأنه خدعة.
تاريخ من الخلافات
خلال العام السابق تبادل الرجلان الإنتقادات واختلفا على قضايا من بينها الهجرة والرأسمالية الجامحة وكذلك البيئة. وأكّد بيان للفاتيكان على "الإلتزام المشترك من أجل الحياة وحرية العبادة والضمير".
ومنذ انتخابه، في تشرين الثاني، أجاز ترامب للشركات أن ترفض تمويل نفقات منع الحمل لموظفيها، وجمد تمويل منظمات غير حكومية دولية تؤيد الإجهاض، وعين قاضياً محافظاً متشدداً معروفاً بمواقفه المعارضة للإجهاض في المحكمة العليا.
وهذا ما يحظى بتأييد الكاثوليك المحافظين، الذين يشكلون نصف الناخبين الأميركيين، إضافة إلى تأييد البابا فرنسيس. فبالرغم من وصفه بأنّه "ثوري"، يبقى البابا الأرجنتيني حارساً صارماً للتقاليد في المسائل الأخلاقية، وقد عارض مؤخراً الأبحاث العلمية حول الأجنّة البشرية.
وارتدت زوجة ترامب ميلانيا الكاثوليكية، وابنته إيفانكا الثياب السوداء وغطاء الرأس الأسود، تماشياً مع البروتوكول التقليدي الذي لم يعد ملزماً لزائرات الفاتيكان.
وجرى اللقاء في مكتبة قصر الفاتيكان الفخم، الذي لا يستخدمه البابا، وقد اختار بدلاً من ذلك سكناً متواضعاً في نزل لرجال الدين الزائرين. وبعد ذلك قام ترامب بجولة خاصة في كنيسة سيستينا المزخرفة بجداريات من روائع مايكل أنجيلو، وكاتدرائية القديس بطرس، حيث المذبح البابوي تعلوه مظلة النحات برنيني.
ثمّ اتصل ترامب بالرئيس الإيطالي والتقى لفترة وجيزة برئيس الوزراء باولو جنتيلوني، وقال خلال اللقاء: "لقد أحببنا إيطاليا كثيراً جدّاً.. وتشرفنا بلقاء البابا".
الديانات التوحيدية الثلاث
في شباط 2016، وأثناء حملة ترامب التمهيدية للرئاسة، قال البابا ردّاً على سؤال، ومن غير أن يذكر رجل الأعمال الثري إن "شخصاً يريد بناء جدران وليس جسوراً ليس مسيحياً". واعتبر ترامب في حينه من "المعيب" أن يقوم رجل دين "بالتشكيك في إيمان شخص"، من غير أن يتخلى عن مشروعه لبناء جدار على طول الحدود مع المكسيك.
وبهذا اللقاء في الفاتيكان، اختتم الرئيس الأميركي كذلك جولته على الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى، بعد خطاب موجه إلى العالم الإسلامي ألقاه في السعودية، ومحطة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية زار خلالها حائط البراق في القدس.
وقال مستشار البيت الأبيض للأمن القومي الجنرال هربرت ريموند ماكماستر: "هذه الزيارة تاريخية فعلاً. لم يسبق لأيّ رئيس أن زار مراكز الديانات اليهودية والمسيحية والمسلمة ومواقعها المقدسة في رحلة واحدة. ما يحاول ترامب القيام به هو توحيد الشعوب من جميع الديانات حول رؤية مشتركة تقوم على السلام والتقدم والازدهار".
وحولت الجولة الأنظار عن الضغوط الداخلية التي يتعرّض لها ترامب في بلاده بسبب الإتهامات الموجهة له بالتواطؤ مع روسيا. ومع وصول شعبيته إلى أدنى مستوياتها، فإنّ ترامب يأمل في أن يتحسن وضعه بعد أن التقى بالبابا الذي يحظى بشعبية واسعة.