ساعات تفصلنا عن مهلة التوصل إلى اتفاق إيراني أميركي. وخلال الليل استعاد المفاوضون تجاذبات وضغوط الساعات الاخيرة، من أجل تحسين شروط صياغة الاتفاق، فيما تقترب مهلة تسليمه إلى الكونغرس قبل الساعة السادسة من صباح اليوم في فيينا، لكي لا يتجاوز مهلة الشهر في دراسة الاتفاق والتصديق عليه، قبل ذهابه إلى عطلة تشريعية، وانكفاء المتفاوضين إلى انتظار شهرين بدلا من شهر واحد، لو تأخروا عن اتمامه اليوم.
وأبدى الأميركيون على لسان جون كيري، عصبية زائدة بعد يوم شاق من الاجتماعات الماراتونية لجسر الخلافات، عندما أعلن مساء أمس، أنه "اذا لم تتخذ قرارات صعبة، فنحن مستعدون لمغادرة المفاوضات"، فيما كان البيت الابيض يعلن "انه غير مستعد لتمديد المفاوضات لاسابيع". ورد الايرانيون بهدوء، كما قال الرئيس حسن روحاني من موسكو أن "المحادثات مع القوى الكبرى دخلت مرحلتها الاخيرة"، فيما كان وزير الخارجية محمد جواد ظريف يعرض "بقاء المفاوضين الايرانيين في فيينا ما لزم الامر ذلك"، والوزير الفرنسي لوران فابيوس يعلن استمرار المفاوضات خلال الليل.
ولا تفيض التصريحات الاميركية والتهديدات بمغادرة المفاوضات، عن محاولة استدرار المزيد من التنازلات في لحظات حاسمة. والمؤكد أن الادارة الاميركية ذهبت بعيدا في الرهان على انجاز الاتفاق مع ايران، كإنجاز كبير للرئيس الاميركي باراك اوباما، بحيث تبدو صعبة العودة عنه في فيينا. والأكيد أن اوباما قد استكمل كل الاجراءات لانجاز الاتفاق، من الاتفاق مع الكونغرس، وضبط الاكثرية اللازمة لتمريره، ومواجهة اسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وأجرت الديبلوماسية الاميركية عشرات الجولات التفاوضية، وانفقت مئات الساعات من المباحثات السرية والعلنية، ولن تتراجع عن انجاز الاتفاق، بعدما أصبحت قاب قوسين أو أدنى من إعلانه.
ولم تصدر اشارة سلبية ايرانية عن سير المفاوضات الا في ساعة متأخرة من الليل، نسبت إلى مفاوض ايراني قوله إن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، وان موعد تسليم الاتفاق الى الكونغرس غير مقدس، محيلا المفاوضات إلى تمديد محتمل، كما لفت مسؤول إيراني أن بعض الأطراف في المحادثات تتراجع عما تم إقراره في اتفاق لوزان. وأشار إلى أن طهران تتطلع إلى رؤية ما إذا كانت أميركا مستعدة للتخلي عن "هوسها بالعقوبات"، مؤكداً الحاجة إلى رفع الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على وصول السلاح لإيران. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول ايراني كبير قوله: "نلاحظ عددا من التغييرات في المواقف حول عدد كبير من المسائل ويا للأسف.. هذا الامر سيجعل الأشياء أكثر تعقيداً".
إلا أنه حتى منتصف ليل فيينا، كانت العقبة الرئيسية التي اعترضت إعلان الاتفاق بين ايران ومجموعة "5+1"، هي الطريقة التي سيتم من خلالها الصياغة النهائية لبعض أجزاء الاتفاق، بعدما تم التوافق على بنوده، وجسر القضايا الخلافية.
وخلال النهار كان التقنيون من الجانبين، الايراني والاميركي خصوصا، قد عكفوا على "حياكة" فقرات الاتفاق الاخيرة، كي يتجنب الايرانيون القطب المخفية والالغام التي تحفل بها الاتفاقات والقرارات الدولية، وتفادي الوقوع في تفسيرات متعددة للنصوص، قد تستخدم ضد ايران في المستقبل. إذ لا اتفاق ايرانيا من دون تزامن واضح في البدء برفع العقوبات مع الاعلان عن الاتفاق، التي تبقى القضية الجوهرية للمفاوضات، خصوصا ان الايرانيين يعولون على استرداد المبالغ المتوجبة على الصين وهي 25 مليار دولار، و11 مليار دولار من الهند، ومن تركيا واليابان، وهي مبالغ يمنع استردادها إقفال نظام التحويلات المصرفية أمام ايران، وهي مقدمة تسهل على طهران انتظار حل إشكاليات تحرير أرصدة مجمدة في المصارف الغربية تتجاوز 120 مليار دولار.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الصياغة تتطلب تحديدا دقيقا لآليات التفتيش الدولية للمنشآت النووية الايرانية والتحكيم في الخلاف حولها، وطبيعة الدول التي ستتولاها وعددها، وطريقة اختيار المنشآت، وحسم طبيعتها المدنية نهائيا في التقرير الذي ينبغي أن ترفعه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قبل نهاية العام الحالي، بموجب التفاهم الذي توصل إليه رئيسها يوكيا أمانو، خلال زيارته، الاسبوع الماضي، إلى طهران.
كما أن الصياغة تتطلب أيضا تحديد مستقبل تطوير الابحاث النووية في ايران والتي تعني تعزيز قدرتها على استخدام أجيال متطورة من أجهزة الطرد المركزي، ومدة تجميدها التي لا يريدها الايرانيون أبعد من 7 أعوام، فيما يساوم الاميركيون على فترة تمتد من 10 إلى 15 عاما من أجل إبطاء البرنامج النووي الايراني مهما كانت طبيعته في النهاية.
وسيقوم الاتفاق عمليا على نقاط أساسية تم التوصل إليها في لوزان، وتشكل قاعدة لفيينا. إذ حصل الإيرانيون في لوزان على اعتراف واضح بحقهم بالتخصيب، بنسبة 3.5 في المئة، وهي نسبة كافية جداً للإبقاء على البرنامج النووي، ومكسب كبير للإيرانيين الذين يحققون اعترافاً دولياً بحقهم بتخصيب اليورانيوم، في بلد يملك مناجم كبيرة لاستخراجه، ولا يعاني من مشاكل أو عراقيل لتحويله.
وفي لوزان، تعهدت إيران بخفض مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5 في المئة والبالغ حاليا ما يقارب عشرة أطنان، ليصل إلى 300 كيلوغرام. وأرفق هذا البند ببند آخر، مهم جداً بنظر الأميركيين، وهو إلزام إيران بمهلة عام قبل خروجها من المعاهدة، إذا ما قررت ذلك، لتقييد أي احتمال بأن تلجأ طهران إلى بناء القنبلة النووية، التي تحتاج إلى عام أو أقل وإلى 260 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5 في المئة، وهي مهلة ضرورية، كما قال أوباما لتنظيم رد عسكري أو عقابي ضد إيران.
وفي مسألة المنشآت، يمكن القول إنه من الآن فصاعداً سيعتمد البرنامج النووي الإيراني على منشأة "نتانز" وحدها دون المنشآت الأخرى، وهو تنازل مهم أمنياً وعلمياً. فإصرار الغربيين، وخصوصا الفرنسيين، على تهميش "فوردو" في البرنامج الإيراني، مرده التحصينات التي أقامها الإيرانيون في المنشأة الواقعة تحت ثمانين متراً في أنفاق جبلية منيعة لا يمكن الوصول إليها بأي صواريخ معروفة، ووجود أجيال جديدة كانت تعمل على إنتاج يورانيوم مخصب بنسبة 20 في المئة. وبموجب الاتفاق فإن كل النشاط النووي سيتم في "نتانز" التي يمكن مراقبتها، وهكذا سيتحول "فوردو" لمدة 15 عاماً إلى مركز للأبحاث والتطوير الفيزيائي، ويتوقف عن الإنتاج.
أما في ما يخص مفاعل "آراك" العامل بالمياه الثقيلة، وهي تكنولوجيا متطورة جداً، فحرص الإيرانيون على إبقائها بمتناولهم، ونجحوا بمنع تفكيك المنشأة، ووقف تطويرها، لكنهم سيقومون بتفكيك قلب المفاعل، وإعادة تصميم مفاعل جديد لا ينتج بلوتونيوم لاستخدام عسكري. وإن أي منشأة تعمل بالمياه الثقيلة لا تهدف لإنتاج البلوتونيوم في النهاية، وهي مرحلة متقدمة جدا في البرنامج النووي الإيراني. ورفض الايرانيون في فيينا عرضا بأن تقوم الدول الغربية بتصميم قلب المفاعل الجديد، كما تتعهد طهران بعدم بناء أي مفاعل يعمل بالمياه الثقيلة خلال 15 عاماً. وكان الإيرانيون قد عرضوا تخفيض إنتاج البلوتونيوم من عشرة كيلوغرامات إلى كيلوغرام واحد سنوياً.
وتحولت قضية بيع الاسلحة الى ايران واستمرار فرض الحظر، إلى قضية روسية أيضا، ففي فيينا رفض الروس الذين تعد إيران زبوناً أساسياً لأسلحتهم وصواريخهم، استمرار فرض الحظر على طهران، خصوصا أن حاجات التسلح الايرانية وإمكانياتها ستتضاعف مع رفع الحظر، بالاضافة إلى حاجة روسيا إلى تعزيز تحالفها مع طهران من خلال منظومتها البديلة لا سيما الصاروخية.
ويحتاج الايرانيون إلى طلب حياكة شفافة ودقيقة، بسبب أن الاتفاقات المرحلية في جنيف وفي لوزان، تعرضت لخلاف في التفسير في فيينا، حول أكثر من بند لا سيما في شموله أم لا لبرنامج ايران الباليستي، ولتفتيش بعض المنشآت العسكرية، واعتبار حظر الأسلحة جزءا غير خاضع للمساومة في الاتفاق. وكان صعباً الحصول على استثناء روسي من الحظر، ولكن الروس أنفسهم يقعون تحت حظر وعقوبات أميركية وأوروبية في الملف الاوكراني، تمنع منحهم أي استثناء.
(محمد بلوط ـ
السفير)