تتسابق الولايات المتحدة وإيران لإتمام ما يمكن أن يعد أكثر اتفاقيات الحد من التسلح تساهلاً في التاريخ. ويصر المدافعون عن الصفقة بأن الولايات المتحدة ستبقى قادرة على تحميل إيران المسؤولية عن سياساتها الهدامة، بغض النظر عن أي اتفاق. لكن تلك التأكيدات تفتقد، برأي صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، لحقيقة أن تطبيق اتفاقية ما للحد من التسلح تتناقض مع سياسة قسرية.
والتوقيع على اتفاق نووي مع دولة ما يعتبر، حسب الصحيفة، اعتراف بأن تلك الدولة جهة مسؤولة. وإن إطار العمل الجاري حالياً العمل عليه، يوحي بأن الجمهورية الإسلامية ستحتفظ ببنية تحتية نووية إضافية من شأنها أن تنمو، بمرور الوقت، حجماً وتعقيداً. وعبر التوصل لاتفاق مع إيران، تتعهد إدارة أوباما فعلياً بأن نظام الملالي حارس موثوق لتقنيات نووية، وأنه يمكن أن يكون محل ثقة بحيازة برنامج قد يثمر نتيجة صناعية. وهذا يعني أن اتفاقاً نووياً لن يشرع برنامج إيران النووي وحسب، بل يعطي إشارة للمنطقة بأن الولايات المتحدة تنظر إلى إيران بوصفها قوة أخذت ادعاءاتها بالحسبان.
المخيلة الأمريكية
وتلفت وول ستريت جورنال، إلى أن الحد من التسلح والانفراج مرتبطان في المخيلة الأمريكية. كما يحتمل أن يدعو عدد من المسؤولين في واشنطن لتحسين العلاقات مع إيران في أعقاب التوقيع على صفقة. ويقوم هذا التوجه على أنه إن كانت الدولتان قادرتان على تسوية قضية نووية، فمن المؤكد أنهما قادرتان على التعاون معاً بشأن قضايا ذات اهتمام مشترك كنهوض داعش، ولإنهاء الحرب الأهلية في سوريا. وإن دولة عظمى سئمت من أعباء العالم العربي قد تتجه نحو شريك يبدو أنه أهل للعمل على استقرار المنطقة.
وفي هذا السياق، تشير الصحيفة إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي، عندما شعرت الولايات المتحدة بأنها تمددت لمناطق واسعة، فاتجهت لشريك آخر في الحد من التسلح، وهو الاتحاد السوفييتي، من أجل المساعدة في إخراجها من جنوب شرق آسيا. ولكن المقارنة التاريخية لا تنفع هنا، لأن فكرة احتواء إيران لا مكان لها في سياسة تتطلع نحو مجالات من التعاون بين الدولتين.
لا سياسة قسرية
وحتى لو كانت الولايات المتحدة مصممة على الإمساك بزمام الأمور، وردع إيران عن أفعالها في المنطقة، فإنه، بحسب الصحيفة، في عشية صفقة نووية قد لا تكون لديها القدرة على تطبيق سياسة قسرية. وعلى مدار العقود الثلاث الماضية، ردت واشنطن على الإرهاب الإيراني وعدوانها في المنطقة، عبر تطبيق عقوبات اقتصادية. ولكن اتفاقاً نوويا سيلزم الولايات المتحدة بتقليل الضغط المالي على إيران. واليوم، إيران معزولة عن الأسواق المالية العالمية، وتعيق العقوبات نشاط بنكها المركزي. ولكن عند رفع تلك العقوبات طبقاً للاتفاق، وبالنظر لمخاطر استخدام القوة، لن تكون خيارات رؤساء أمريكيين لاحقين واسعة. وقد لا تجد إدارات لاحقة بداً من مسايرة إيران، مهما تكن أفعالها.
فرض القوة
وتقول وول ستريت جورنال، أنه على خلاف الولايات المتحدة، تميل الأنظمة الثورية التي توقع على اتفاقيات نووية، لأن ترى فيها فرصاً لاستعراض عضلاتها. وخلال أوج فترة الحد من التسلح، في سبعينيات القرن الماضي، بدأ الاتحاد السوفييتي في انتهاج أحد أكثر سياساته الخارجية عدوانية. فقد تبنت موسكو وعملاؤها قضية الأطراف المتطرفة في العالم الثالث. وطبقاً لاتفاقية هيلسينكي، حصل الكريملين من واشنطن على اعتراف رسمي بمنطقة نفوذه في أوروبا الشرقية. وقد انتهى ذلك العقد بغزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، وهي المرة الأولى التي يغزو فيها الاتحاد السوفييتي بلداً خارج أوروبا الشرقية. وعند استرجاع تلك القرارات الهدامة والحمقاء، تثبت التجربة السوفييتية خطأ الاعتقاد بأن اتفاقيات الحد من التسلح تعدل الأنظمة الإيديولوجية.
إمبراطورية محبطة
وبرأي الصحيفة، تنظر الجمهورية الإسلامية للولايات المتحدة كإمبراطورية مكتئبة تسعى للتخلص من الإرث العربي. وهذا ما أشار إليه المرشد الأعلى في إيران، على خامنئي، في معظم خطبه، عندما قال إن الولايات المتحدة قوة آفلة وغارقة في مشاكلها الداخلية. كما أشار إلى أن الولايات المتحدة هي التي تحتاج لاتفاق للحد من التسلح كوسيلة لتعبيد طريق خروجها من الشرق الأوسط. ومن خلال مواقف إيران وأعمالها، يلوح في الأفق أنها على وشك تنفيذ مهامها التوسعية، وعندها لن يكون هناك مجال لتطبيق سياسة قسرية تأمل واشنطن بأن تكون قادرة على تفعيلها. وإن إيران المهيمنة قد تكون أكثر نتائج اتفاق نووي خطورة وضرراً.
(24)