تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

عربي-دولي

الرئيس الكوبيّ الجديد.. وملامح التغيير في إطار الاستمراريّة!

جمال دملج

|
Lebanon 24
22-04-2018 | 12:15
A-
A+
الرئيس الكوبيّ الجديد.. وملامح التغيير في إطار الاستمراريّة!
الرئيس الكوبيّ الجديد.. وملامح التغيير في إطار الاستمراريّة! photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-

في خضمّ تفاعُل حركة المدّ والجزْر على طول المسافة الفاصِلة ما بين شواطىء جزيرة كوبا وما بين شواطىء مدينة ميامي في ولاية فلوريدا الأميركيّة، والبالغة قرابة التسعين ميلًا فقط، ثمّة أجيالٌ متتاليةٌ قُدِّر لها أن تعيش سنوات عمرها محكومةً بتداعيات حالةِ عداءٍ تاريخيٍّ طغت على سلوكيّات الكوبيّين والأميركيّين طيلةَ ستّةِ عقودٍ كاملةٍ من الزمان، ولا سيّما بعدما بادرت الولايات المتّحدة إلى الردّ على انتصار الثورة التي قادها الـ "كوميندانتي" الراحل فيدل كاسترو عام 1959 بفرض حصارها الصارم على كافّة مرافق الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في الجزيرة، قبل أن تشرِّع أبوابها لاستقبال المعارِضين المتضرِّرين من وصول الثوّار إلى الحكم، أملًا في أن تؤهِّلها خطط تسليحهم وتدريبهم وتمويلهم للإطاحة بالنظام الجديد، الأمر الذي لم يُكتب له النجاح في أيِّ يومٍ من الأيّام على مرِّ السنوات الطويلة الماضية، لتُصبح كوبا إثر ذلك نموذجًا ثوريًّا مثاليًّا يُحتذى به في أماكنَ مختلفةٍ من العالم، سواءٌ لدى توصيف مقوِّمات الصمود أم لدى التعبير عن معاني الشموخ، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ درجة الصرامة في مفاعيل الحصار الأميركيّ صُنِّفت مرارًا في أكثرَ من محفلٍ دوليٍّ في خانة عمليّات الإبادة الجماعيّة، استنادًا إلى المادّة الثانية من معاهدة جنيف للوقاية من جرائم الإبادة والمعاقبة عليها.

وإذا كانت الزيارة التاريخيّة التي قام بها الرئيس الأميركيّ باراك أوباما للجزيرة الشيوعيّة في شهر آذار عام 2016 قد شكَّلت إيذانًا رسميًّا بانتهاء مرحلة ذلك الحصار بعد مرور ستّةٍ وخمسينَ عامًا على تاريخ فرضه، فإنّ الرصانة التي اتّسمت بها الخطوات الكوبيّة اللاحقة على طريق استئناف العلاقات بين هافانا وواشنطن، سرعان ما شكَّلت التجسيد الأمثل لشعار "التغيير في إطار الاستمراريّة" الذي رفعه راؤول كاسترو منذ تسلُّمه مقاليد الحكم في أعقاب مرض القائد التاريخيّ فيدل في شهر تمّوز عام 2006، ومن ثمّ وفاته في شهر تشرين الثاني عام 2016، ولا سيّما أنّ مثل هذه الرصانة كانت ولا تزال ضروريّةً لتطبيق الشعار المذكور بما يضمن المحافظة على كرامة الكوبيّين وعنفوانهم، وبالتالي، بما يحصِّنهم في مواجهة مخاطر الانزلاق في متاهات الانبطاحيّة المفرِطة التي كنّا قد شهدناه خلال ثمانينيّات وتسعينيّات القرن العشرين في سياق مسيرة انفتاح عددٍ من دول أوروبا الشرقيّة على الولايات المتّحدة إثر سقوط جدار برلين وتفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ.

لا شكّ في أنّ كوبا عانت الأمرّين في خضمّ اشتداد ضراوة الحرب التي خاضتها الولايات المتّحدة الأميركيّة على الشيوعيّة الدوليّة في مختلف أصقاع الأرض، تمامًا مثلما عانت الأمرّين أيضًا جراء اشتداد أزمتها الاقتصاديّة إثر خروج موسكو من حلبة النزال الدوليّ مع واشنطن، ولا سيّما بعدما حُرِمت من نعيم المساعدات الماليّة واللوجستيّة السوفييتيّة التي كانت تنهال عليها بموجب شتّى أنواع الاتّفاقيّات المبرَمة بين الجانبين، فإذا بها تخسَر سنويًّا قرابة الستّةِ ملياراتِ دولارٍ من تلك المساعدات، إضافةً إلى عشرةِ ملايينِ طنٍّ من النفط، ناهيك عن أنّها أُجبرت على بيع قصب السكّر بسعره الاعتياديّ في السوق العالميّ، خلافًا لما كان عليه الحال عندما راح الاتّحاد السوفييتيّ يشتريه منها خلال مرحلة ما قبل التفكُّك بأربعةِ أضعافِ ذلك السعر كردٍّ على الحصار الأميركيّ.

وإذا كانت هذه العوامل مجتمِعةً قد بدت كافيةً وقتذاك لتحفيز كوبا على ركوب الموجة الأميركيّة، أسوةً بما فعلته دول أوروبا الشرقيّة، فإنّ وهج النهج الثوريّ الذي تمكَّن فيدل كاسترو من إرساء ركائزه في أوساط أبناء شعبه، أعطاهم المناعة الكافية ضدَّ خطر الإصابة بحمّى الانبطاح والارتهان، علمًا أنّ الولايات المتّحدة لم تكفّ يومًا عن تخصيص الميزانيّة السنويّة تلو الأخرى من أجل تحقيق حلم الإطاحة به، ولدرجةٍ وصلت خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش إلى حدِّ رصدِ ثمانينَ مليونِ دولارٍ لبرنامج دعم الديمقراطيّة في الجزيرة والإعداد لمرحلة ما بعد الزعيم الكوبيّ التاريخيّ.

هذا النهج الذي يقوم على أنّ "الفكر أقوى من السلاح"، وفقًا لما جاء على لسان الراحل فيدل كاسترو في شبابه، لم يحدُث أن تأثَّر بأيِّ شكلٍ سلبيٍّ لدى قيام راؤول كاسترو برفع شعار "التغيير في إطار الاستمراريّة"، وأغلب الظنّ أنّه لن يتأثَّر أيضًا في أعقاب انتخاب ميغيل دياز كانيل نهار الخميس الفائت رئيسًا للبلاد، ولا سيّما أنّ هذا الرجل القادم إلى السلطة من خارج جيل الثورة التاريخيّ، والبالغ من العمر ثمانيةً وخمسينَ عامًا، وإنْ كان سيُقدَّر له أن يطوي حقبة حُكم الأخوين كاسترو التي استمرّت لستّةِ عقودٍ من الزمان، ولكنّ تأكيده على إخلاصه لتراث الكوميندانتي الراحل فيدل ولقيم وتعاليم الرئيس السابق راؤول، وكذلك على التزامه بسياسة الإصلاحات الاقتصاديّة الرصينة، سرعان ما جدَّد الأمل في أنّ الفكر لا يزال حتمًا أقوى من السلاح في كوبا، وأنّ التغيير يسير على أحسن ما يرام في إطار الاستمراريّة.. وحسبي أنّ مثل هذه النماذج الكوبيّة المعبِّرة يُفترَض أن يُحتذى بها بامتيازٍ لدى الحديث عن مقوِّمات الصمود ومعاني الشموخ عند القادة والشعوب على حدٍّ سواء، وخصوصًا في هذا الجزء من العالم الذي لا يزال يُسمّى بقدرةٍ قادرٍ وطنًا عربيًّا، حيث تهبّ رياح الثورات بكبسةِ زرٍّ، وتجنّ بكبسةِ زرٍّ، وتقتُل وتدمِّر وتشرِّد بكبسةِ زرٍّ.. وحسبي أنّ الأزرارَ الكامِنةَ في أجهزة التحكُّم عن بُعدٍ، والمرهونةَ والمرتهنةَ للأيادي الخارجيّة، ليست قادرةً على تحريك ثوراتٍ حقيقيّةٍ ولا من يحزنون.. والخير في استحضار النموذج الثوريّ الكوبيّ للدلالة على فشل نماذج الثورات المعلَّبة عندنا من وراء القصد.

Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك