بعدما خلُص البيان الختاميّ الصادر عن اجتماع وزراء خارجيّة دول "مجموعة السبع" في مدينة تورونتو الكنديّة إلى التأكيد على وحدة الموقف من روسيا باعتبارها تسعى إلى "زعزعة الاستقرار" في العالم، والإعراب عن الاستعداد الكامل لاتّخاذ "إجراءاتٍ تقييديّة جديدةٍ" ضدَّها في إطار سلسلة العقوبات الغربيّة المفروضة عليها بالتدرُّج منذ بداية الأزمة الأوكرانيّة عام 2014 ولغاية يومنا الراهن، سارع نائب وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي ريابكوف إلى الإعلان عن أنّ موسكو "ليست خائفة" من فرض أيِّ حزمةٍ جديدةٍ من العقوبات، موضحًا أنّها ستردّ على أيِّ إجراءٍ من هذا النوع في الوقت والشكل المناسبيْن، ولافتًا إلى مسألةٍ بالغةِ الأهمّيّة تتعلَّق بازدواجيّة المعايير الواضحة في أسلوب صياغة البيان، وخصوصًا عندما قال ما مؤدّاه إنّ "النصوص المتغطرسة" الواردة في تصريحات دول مجموعة السبع تستوجب علينا أن نذكِّر أولئك الذين يقومون بصياغتها بأنّهم "يعملون على تدمير النظام الذي يدعون إليه الآخرين للعمل فيه"، مشيرًا إلى أنّ "هذا ليس مجرَّد ازدواجيّةٍ في المعايير وحسب، بل إنّه معيارٌ من نوعٍ جديدٍ لدول المجموعة"، على حدِّ تعبيره.
هذا الكلام الذي بدا وكأنّه تعليقٌ مباشِرٌ على الفقرة المثيرة التي أضافها المجتمعون في تورونتو إلى بيانهم الصادر اليوم الثلاثاء، عندما أعربوا – في موازاة كافّة تهديداتهم العقابيّة المذكورة – عن "الاستعداد للتعاون مع روسيا حول الأزمات الإقليميّة والتحدّيات العالميّة"، لا يمكن إدراجه في الواقع إلّا في سياق التأكيدات الروسيّة المتتالية على أنّ زمان ما يُسمّى بـ "سياسة العصا والجزرة" التي جرت العادة على أن ينتهجها الغرب الأميركيّ والأوروبيّ حيثما يستطيع إلى ذلك سبيلًا في أماكنَ مختلفةٍ من العالم قد ولّى إلى غيرِ رجعةٍ، ولا سيّما بعدما كان الرئيس فلاديمير بوتين قد تمكَّن من النجاح في تحقيقِ تقدُّمٍ مبهِرٍ طيلةَ السنواتِ الثماني عشرةَ الماضية على طريق إرساء مفاهيم الحاجة إلى بناءِ عالمٍ متعدِّدِ الأقطاب، بحيث تكون الولايات المتّحدة جزءًا منه، خلافًا لما كان عليه الحال في أعقاب تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ في مطلع تسعينيّات القرن الماضي عندما تحوَّلت إلى القطب الأوحد فيه، الأمر الذي يفسِّر سرَّ تركيز التصويب الأميركيّ – الأوروبيّ – الأطلسيّ على استهداف المناطق الواقعة داخل المجالات الحيويّة الروسيّة، قبل أن تصل الأمور إلى حدِّ استهداف روسيا نفسها من خلال تريد نغمة فرض العقوبات التي كان الرئيس بوتين قد وصفَها في أكثرَ من مناسَبةٍ، شأنه شأن غالبيّة المسؤولين الروس، بأنّها "سلاح الجبناء".
وإذا كان سيل الأمثلة على أنّ الدول الغربيّة، وليس روسيا، هي التي ظلَّت تسعى خلال السنوات الماضية إلى زعزعة الاستقرار في العالم له أوّلٌ وليس له آخِر، على شاكلة ما قامت به الولايات المتّحدة عندما أوفدَت مساعِدة وزيرة الخارجيّة للشؤون الأوروبيّة والآسيويّة فيكتوريا نولاند إلى وسط "ميدان الاستقلال" في العاصمة الأوكرانيّة كييف للإعلان أمام المحتشدين هناك عن رصدِ ميزانيّةٍ بقيمةِ خمسمئةِ مليونِ دولارٍ لدعم حركتهم الانقلابيّة ضدَّ نظام
الرئيس فيكتور يانوكوفيتش عام 2014، فإنّ هذا الإعلان وحده، وما نجم عنه لاحِقًا من إرهاصاتٍ أدَّت إلى قلب الموازين في أوكرانيا رأسًا على عقب، ولا تزال، يكفي لتحميل المسؤوليّة عمّا حدَث ويحدُث لكلٍّ من الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيّته هيلاري كلينتون، وليس لإدارة الرئيس بوتين بالتأكيد، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الإجراءات الروسيّة على الساحة الأوكرانيّة، بما في ذلك ضمّ شبه جزيرة القرم، لم تبدأ أصلًا إلّا بعدما كان الأميركيّون والأوروبيّون قد قطعوا شوطًا طويلًا هناك على طريق تهديد الأمن القوميّ الروسيّ.
من هنا، يُصبح في الإمكان الجزم بأنّ بيان اجتماع تورونتو اليوم الثلاثاء لا يعدو عن كونه أكثرَ أو أقلّ من مجرَّدِ بالونٍ فارغٍ، سواءُ من جهةِ التذكير بأنّ "تمديد العقوبات الاقتصاديّة بخصوص قضيّة دونباس (الأوكرانيّة) يتعلَّق تمامًا في تنفيذٍ كاملٍ ولا رجعةَ فيه لاتّفاقات مينسك من قبل روسيا"، أم من جهةِ ما نُقِل عن لسانِ مسؤولٍ أميركيٍّ عندما قال إنّ "دول مجموعة السبع منفتحةٌ على الحوار مع روسيا، ولكنّها ما زالت تحمِّلها مسؤوليةَ أعمالها الخبيثة"، ولا سيّما أنّ فحوى هذا الكلام لا يجسِّد في الحقيقة سوى المعايير المزدوجة بكافّة طقوسها وتجلّياتها، ناهيك عن أنّ روسيا كانت قد أكّدت مرارًا، وبصريح العبارة، على عدم وجود أيِّ جدوى لإجراء المحادثات معها بلغة العقوبات وما تتضمّنه من مفرداتٍ فجّةٍ لا تليق بأصول وقواعد العلاقات الدوليّة.
وعلى هذا الأساس، يُصبح في الإمكان الجزم أيضًا بأنّ بيان تورونتو المذكور لم يكُن موجَّهًا هذه المرّة لروسيا على وجه الخصوص بقدْر ما كان موجَّهًا للرأي العامّ في الدول السبع الأعضاء في المجموعة بغية تحويل الأنظار عن العديد من المشاكل الداخليّة التي تعاني منها، وهي المشاكل التي يُتوقَّع أن تتفاقم بكلِّ تأكيدٍ إذا ما صدقت التوقُّعات بأنّ "سحر" الكيميائيّ ما بين سالزبوري في إنجلترا وما بين دوما في سوريا سينقلب، لصالح الموقف الروسيّ، على "الساحر" الأميركيّ والبريطانيّ والفرنسيّ على حدٍّ سواء.. وحسبي أنّ البيت في القصيد يكمُن هنا، والخير دائمًا من وراء القصد.