فرضت التطورات الدبلوماسية والعسكرية ذات الصلة بالاتفاق النووي الإيراني ودور إيران في سوريا، نفسها بنداً اضافياً على المشهد المحلي الخارج من الانتخابات والمنشغل بحسابات الربح والخسارة وتصفية الحسابات، في خطوة تشكّل انعطافة استراتيجية في السياسة الاميركية من شأنها أن تضع المنطقة امام كل الاحتمالات، وتجعل كل الخيارات مفتوحة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن، ليل أمس، قراره الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران والمعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة". وقال في كلمة له بالبيت الأبيض: "إنّ هذا الاتفاق لم يحقق السلام ولن يحقّق السلام.. ولن يمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية". أكثر من ذلك، قرّر ترامب إعادة العمل بالعقوبات على طهران. منبّهاً الى انّ "كلّ بلد يساعد ايران في سعيها الى الاسلحة النووية يمكن ان تفرض عليه الولايات المتحدة ايضاً عقوبات شديدة". وقال: "لدينا اليوم الدليل القاطع على انّ الوعد الايراني كان كذبة".
هكذا نفّذ ترامب تهديده بالانسحاب من الاتفاق رغم التحذيرات الدولية، ما يثير مخاوفَ من فترة توتّر شديد مع الحلفاء الاوروبيين ومخاطر تداعيات أخرى في العالم، قد يكون من بينها لبنان.
وتسري العقوبات الجديدة فوراً على العقود الجديدة، وفق مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، الذي أعلن أنّ أمام الشركات الأوروبية ستّة أشهر كحدّ أقصى لوقف أنشطتها مع إيران. وإذ نفى بولتون أن يكون الانسحاب بداية لعمل عسكري ضد إيران، معلناً استعداد واشنطن لمفاوضات "موسّعة" في شأن اتفاق جديد معها. أمهَلت وزارة الخزانة الأميركية شركات اوروبا من 90 الى 180 يوماً لتجميد نشاطاتها الاقتصادية مع ايران.
طهرات ترد
الرئيس الإيراني حسن روحاني ردَّ على قرار ترامب بالتأكيد أنّ بلاده ستبقى ملتزمة الاتفاق النووي الذي أبرَمته مع الدول الكبرى عام 2015، على رغم إعلان ترامب انسحابَ بلاده من الاتفاق. وقال: "إذا حقّقنا أهداف الاتفاق بالتعاون مع الأعضاء الآخرين به فسيظلّ سارياً (...) وبالخروج من الاتفاق تقوّض أميركا رسمياً التزامها تجاه معاهدة دولية". واعلنَ أنّ طهران مستعدة لاستئناف أنشطتها النووية بعد إجراء محادثات مع الأعضاء الأوروبيين الموقّعين الاتفاق.
واستبقت إيران إعلان ترامب بمحاولة طمأنة مواطنيها إلى انهم لن يعانوا مجدداً صعوبات كبرى واجهوها خلال فرض العقوبات المرتبطة بالملف النووي.
وحذر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الرئيس الأميركي، قائلاً: "إذا ارتكب خطأً وألغى الاتفاق، سيتوجّب عليه قبول حقوق الإيرانيين في ظل وضع أسوأ"، فيما شدد نائب وزير الخارجية عباس عراقجي على ان طهران "سترد على القرار الأميركي وفقاً لمصالحها الوطنية". ووجّه نواب إيرانيون رسالة إلى المرشد علي خامنئي ورد فيها أنهم لن يسمحوا لواشنطن بفرض "مطالبها غير الشرعية" على طهران، مشيرين الى أن مجلس الشورى (البرلمان) سيلزم الحكومة "الردّ بضراوة" إذا تجاهلت الولايات المتحدة حقوق إيران.
وشدد علي شمخاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على أن بلاده "لن تقف ساكنة إذا بدأت الولايات المتحدة مواجهة معها"، كما أكد رئيس الأركان الإيراني الجنرال محمد باقري أن "لا تهديد يخيف" بلاده.
موسكو والاتحاد الأوروبي يعلقان
بدورها اعتبرت روسيا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، يمثل تهديداً للأمن الدولي، مؤكدةً مواصلة الجهود للحفاظ على هذه الصفقة.
أما زعماء اوروبا رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فأعلنوا اتفاقهم على مواصلة تطبيق التزامات دولهم بموجب الاتفاق النووي مع إيران. وقالوا في بيان مشترك: "إن فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة تعرب عن قلقها وأسفها من قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من خطة العمل المشتركة الشاملة الخاصة بتسوية البرنامج النووي الإيراني". وأكدوا "إننا نشدد بشكل مشترك على التزامنا خطة العمل الشاملة المشتركة، إن هذا الاتفاق لا يزال مهما بالنسبة لأمننا الجماعي".
وسارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى القول إن "فرنسا وألمانيا وبريطانيا تأسف للقرار الأميركي"، مضيفاً "سنعمل بشكل جماعي على إطار عمل أوسع يشمل النشاط النووي وفترة ما بعد عام 2025، وأنشطة الصواريخ الباليستية، والاستقرار في الشرق الأوسط، خصوصا سورية واليمن والعراق".
وتوقعت مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أن يواصل باقي المجتمع الدولي تطبيق الاتفاق النووي بعد إعلان ترامب، معتبرة ان "الاتفاق يحقق نتائجه، ويضمن ألا تطور طهران أسلحة نووية".
إسرائيل ترحب
من جهتها رحبت اسرائيل بقرار ترامب، إذ شكر رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو لترامب قراره، واصفاً الاتفاق النووي في بيان مقتضب بأنه "وصفة للكارثة بالنسبة للمنطقة والسلام في العالم". وقال: "أن هذا قرار تاريخي يمهد لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. ومن شأن جبهة موحدة ضد النظام الذي يدعم الإرهاب ويزعزع الاستقرار، أن يقطع دابر العدوان الإيراني الذي يهدد منطقتنا والمجتمع الدولي بأسره".
وقبل دقائق من إلقاء ترامب خطابه، أمرت إسرائيل بتحضير الملاجئ ضد الصواريخ في الجولان، بعد رصد الجيش "نشاطاً غير عادي للقوات الإيرانية في سورية". ونشر الجيش أنظمة دفاعية، ووضع قواته في "حال تأهب قصوى، تحسباً لهجوم"، مشدداً على انه "مستعد لمواجهة سيناريوات مختلفة ويحذر من ان اي اعتداء على اسرائيل سيستدعي رداً شديداً".