مع بدء عمليّة العدّ العكسيّ لموعد مناورات "الرعد المشتعل" التي من المقرَّر إجراؤها في ليتوانيا بمشاركة تسعِ دولٍ منضويةٍ تحت لواء حلف الناتو بين الرابع عشر والخامس والعشرين من شهر أيّار الجاري، فإنّ درجة الجهوزيّة والتأهُّب في صفوف القوّات الروسيّة المنتشِرة على الجهة المقابِلة لبحر البلطيق تكون قد وصلت للتوّ إلى أعلى مستوياتها، ولا سيّما بعدما تمّ الإعلان رسميًّا عن أنّ هذه هي المرّة الأولى التي سيُصار فيها إلى استخدام الذخائر الحيّة من جانب الوحدات البرّيّة والجوّيّة والبحريّة الأطلسيّة أثناء التدريبات، خلافًا لما درجت عليه العادة لدى إجراء المناورات نفسها فوق الأراضي الليتوانيّة في المرّات الستّ السابقة، الأمر الذي يبدو كافيًا في هذه الأثناء لكي يُعيد إلى أذهان المراقبين فرضيّاتٍ قديمةً ومتجدِّدةً ظلَّت تؤشِّر طيلة الأعوام الثلاثة الماضية إلى إمكانيّة افتعال ما ينبغي على الأطلسيّين افتعاله من الأخطاء الكفيلة باستفزاز روسيا، عن سابقِ عزمٍ وتصميمٍ، بغية استدراجها للدخول في مواجهةٍ عسكريّةٍ مباشِرةٍ معهم، بما يضمن استنزاف المزيد من قدراتها وفاعليّتها على المسرح الدوليّ لصالح إعادة الهيبة والاعتبار لدول الغرب الأميركيّ والأوروبيّ.
وعلى رغم صعوبة التسليم مسبَقًا بأنّ إمكانيّة افتعال "الأخطاء المقصودة" في مناورات الغد أصبحت حتميّة ولا مناص منها، نظرًا لأنّ عدد الجنود الأميركيّين والكنديّين والكرواتيّين واللاتفيّين والبولنديّين والليتوانيّين والهولنديّين والفرنسيّين والألمان المشاركين هذا العام، والبالغ قرابةَ ألفٍ ومئتيْ جنديٍّ فقط، لا يكفي بالطبع للدخول في مغامرةٍ على هذا القدْر من التهوُّر والخطورة، فإنّ ذلك لا يُلغي في المقابل وجوب التفكير بالفرضيّات التي تتحدَّث عنها، تمامًا مثلما لا يُلغي الحاجة إلى أخذها على محمل الجدّ، وخصوصًا إذا وضعنا في الحسبان أنّ حالة الانقسام السائدة في عقر دار الأسرة الأطلسيّة جرّاء التبايُن في وجهات النظر الأوروبيّة مع إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب حول العديد من الملفّات والقضايا الإقليميّة والدوليّة الشائكة، وعلى رأسها انسحاب الولايات المتّحدة من الاتّفاق النوويّ الإيرانيّ، غالبًا ما تجعل من المغامرات المتهوِّرة والخطيرة وسيلةً ناجعةً لإعادة تشكيل الارتصافات بين الدول، بحيث تصبح الكلمة الفصل في نهاية المطاف للطرف الأقوى بالتأكيد.
وإذا كان مصطلح "الحروب بالوكالة" قد أصبح الأكثر شيوعًا في تاريخنا المعاصر على طول خارطة العالم وعرضها، بما فيها منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، فإنّ القلق الروسيّ لا بدَّ من أن يتركَّز في الوقت الحاليّ على احتمال وصول الشطط في الخطط الاستراتيجيّة الأميركيّة إلى حدّ استنساخ نماذج عن هذا النوع من الحروب عند تخومها الحدوديّة من جهة بحر البلطيق، وبغطاءٍ أطلسيٍّ كاملٍ، وهو القلق الذي كان قد تجلّى في وقتٍ سابقٍ من شهر نيسان الماضي عندما أعلن نائب وزير الخارجيّة ألكسندر غروشكو أنّ "جهود حلف الناتو المبذولة لتقديم الدعم العسكريّ لدول البلطيق، لا تحسِّن الأوضاع، بل تُضعِف الأمن في أوروبا"، لافتًا إلى أنّ "الولايات المتّحدة مستمرّة في انتهاجِ خطٍّ مزدوَجٍ"، على حدِّ تعبيره، وذلك بعدما أعلن البيت الأبيض عن تخصيص مساعداتٍ عسكريّةٍ بقيمة مئةٍ وسبعين مليون دولارٍ لتعزيز قدرات القوّات الوطنيّة المسلّحة في كلٍّ من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه هنا، يتمثَّل في أنّ الإعلان عن تخصيص هذه المساعدات سرعان ما استُتبِع بعد مرورِ عدّةِ أيّامٍ فقط بسيلٍ من التسريبات الغربيّة التي راحت تتحدَّث عن تفوُّق القوّات المسلّحة الروسيّة على القوّات المسلّحة الأطلسيّة في أيِّ مواجهةٍ عسكريّةٍ محتمَلةٍ بين الطرفين، على غرار ما نقلته صحيفة "دايلي ستار" البريطانيّة يوم السادس عشر من الشهر الماضي عن لسان خبراء من "المجلس الأطلسيّ" في مركز التحليل الأميركيّ بخصوص "قدرة روسيا على غزو أوروبا واحتلال عواصم دول البلطيق في غضون ستّين ساعةً فقط"، بمعنى أنّ افتعال الحرب لن يشكِّل رادعًا فعّالًا ضدَّ موسكو في كافّة الظروف والأحوال، علمًا أنّ الصحيفة البريطانيّة كانت تتحدَّث، شأنها شأن مصادرها في الولايات المتّحدة، عن مجرَّدِ نزاعٍ عسكريٍّ افتراضيٍّ لا أكثر ولا أقلّ.
من هنا، وبالنظر إلى أنّ معظم الحروب غالبًا ما كانت تبدأ في أعقابِ تسريباتٍ إعلاميّةٍ تروِّج لاحتمالات اندلاعها، حتّى ولو تمّ ذلك على أساسٍ افتراضيٍّ بحت، يصبح في الإمكان تفهُّم سبب الحرص الروسيّ على رفع درجة الجهوزيّة والتأهُّب تحسُّبًا لأيِّ طارىءٍ قد ينجم عن أيِّ أخطاءَ عرضيّةٍ أو مقصودةٍ في مناورات "الرعد المشتعل" خلال الأيّام المقبلة، ولا سيّما إذا أضفنا إلى كلّ ما تقدَّم ذكره أنّ شهر أيّار الحاليّ، يكاد يُصنَّف للتوّ باعتباره الأكثر اشتعالًا من غيره في خانة الأزمات والشدائد والحروب، حيث باب الاحتمالات والمفاجآت سيبقى مفتوحًا في مختلف أنحاء العالم، حتّى إشعارٍ آخر، على مصراعيه.