خيّمت على الفلسطينيين، في الذكرى السبعين للنكبة، مشاعر مختلطة من صدمة وحزن شديدين، ومعها مشاهد الجنازات، تحديداً 63 جنازة، للشهداء الذين قتلوا خلال اليومين الماضيين برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء الاحتجاجات على نقل السفارة الأميركية إلى القدس، فيما أعلنت الهيئة العليا لـ "مسيرة العودة" استمرار المسيرات كل يوم جمعة وصولاً إلى "مليونية" جديدة في الذكرى الـ51 للنكسة.
في اليوم التالي للمذبحة الإسرائيلية في غزة، تواصل التنديد الدولي بالعنف ضد المتظاهرين، وطغت على جلسة لمجلس الأمن دعوات، خصوصاً أوروبية، لإجراء تحقيق مستقل، في وقت استعدت الكويت لطرح مشروع قرار في المجلس اليوم يدعو إلى تأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني. وحدها السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي غرّدت خارج السرب، مشيدة بإسرائيل لضبط النفس ضد حركة "حماس".
رفض مجلس الوزراء السعودي خلال اجتماعه أمس برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، نقل السفارة الأميركية إلى القدس. ونقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية عن بيان للمجلس تأكيده "أن هذه الخطوة تمثل انحيازاً كبيراً ضد حقوق الشعب الفلسطيني التي كفلتها القرارات الدولية". وعاش مليونا فلسطيني في قطاع غزة الساعات الماضية تحت تأثير فاجعة على أرواح 61 شهيداً قتلتهم القوات الإسرائيلية في مجزرة بشعة، بينهم مُقعد مقطوع الساقين وعددٌ من الأطفال أصغرهم رضيعة، فيما جُرح 2771. وأحجم الغزيون عن العمل والتنقل والخروج من منازلهم أمس، باستثناء تشييع عشرات الشهداء إلى مثواهم الأخير والمشاركة في زيارة بيوت العزاء، فيما عمّ إضراب شامل لا سابق له مدن القطاع وشوارعه.
في نيويورك، أجمع الأعضاء الأوروبيون في مجلس الأمن على المطالبة بتحقيق مستقل في أسباب مقتل الضحايا في غزة، ودعوة إسرائيل إلى وقف استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، ودعوة "حماس" إلى عدم استخدام التظاهرات لتأجيج العنف وتحقيق غايات سياسية، كما أكدوا رفض نقل السفارة إلى القدس.
واضطرت السفيرة الأميركية إلى مغادرة الجلسة أثناء إلقاء السفير الفلسطيني رياض منصور كلمته التي حمّل فيها الولايات المتحدة مسؤولية حماية الجرائم الإسرائيلية، وإطلاق "الاتهامات العنصرية بحق الشعب الفلسطيني، ومخالفة القانون الدولي بنقل سفارتها إلى أرض محتلة" في القدس. وواجه منصور الموقف الأميركي بخطاب مطوّل قال فيه إن الاتهامات التي وجهتها هايلي باستخدام الأطفال الفلسطينيين دروعاً بشرية في التظاهرات "عنصرية، لأننا لسنا الاستثناء"، متسائلاً: "لماذا يشارك الأطفال في تظاهرة في واشنطن جمعت نصف مليون إنسان ضد استخدام الأسلحة في الولايات المتحدة؟". وأكد القبول المسبق من القيادة الفلسطينية بنتائج أي تحقيق دولي تجريه الأمم المتحدة. واتهم الولايات المتحدة بتعطيل قدرة مجلس الأمن على إجراء أي تحقيق "كان دعا إليه الأمين العام للأمم المتحدة وبقية الأعضاء الأربعة عشر في مجلس الأمن"، وطالب بتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني.
وأعلن السفير الكويتي في الأمم المتحدة منصور عياد العتيبي أنه سيطرح مشروع قرار في مجلس الأمن اليوم، في تصعيد للتحرك العربي الذي تقوده الكويت في المجلس، عقب منع هايلي مجلس الأمن من تبني مشروع بيان كويتي مساء الإثنين، حظي بدعم كامل أعضاء المجلس الأربعة عشر الآخرين.
طلبت تركيا أمس من السفير الاسرائيلي في انقرة مغادرة البلاد موقتاً احتجاجاً على مقتل عشرات الفلسطينيين في قطاع غزة. وقال مسؤول في الخارجية التركية غداة قرار انقرة استدعاء سفيرها في تل ابيب للتشاور أنه تمّ استدعاء السفير ايتان نائيه الى الوزارة وطلب منه "العودة الى بلاده لفترة معيّنة". كما دعا رئيس الوزراء التركي بن علي يلديريم الدول الاسلامية التي تربطها علاقات بإسرائيل الى "إعادة النظر فيها".
طالبت ايران بمحاكمة المسؤولين الاسرائيليين باعتبارهم "مجرمي حرب" لارتكابهم "مجازر وحشيّة لا مثيل لها".
وأعرب الكرملين عن "أشدّ القلق"، وصرّح المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف بأنّ "الوضع وخصوصاً مقتل عشرات من الفلسطينيين يثير اشد القلق بالتأكيد".
دعت الصين إلى ضبط النفس "خصوصاً" من جانب إسرائيل. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لو كانغ إنّ الصين "قلقة جداً إزاء الحصيلة الكبيرة للنزاع الدامي على حدود غزة".
ودان الامين العام للجامعة العربية، احمد ابو الغيط، "بأشد العبارات ما ترتكبه إسرائيل من مذابح في حق الفلسطينيين العزل"، واصفاً ما تقوم به بأنه "يرقى إلى مرتبة جرائم الحرب".
وأيّدت الحكومة البريطانية إجراء تحقيق مستقلّ حول الاحداث الدامية في قطاع غزة، وذلك بعدما عطلت واشنطن أمس الاول اصدار مجلس الامن الدولي بياناً يدعو الى تحقيق مستقل.
واعلنت الحكومة الالمانية تأييدها إجراء تحقيق مستقل حول الاحداث في قطاع غزة، لكنها حمّلت حركة حماس مسؤولية المواجهات الدامية.
واستدعت ايرلندا السفير الإسرائيلي في دبلن زئيف بوكر "للإعراب عن صدمتها وشجبها لمستوى أعداد القتلى والجرحى في قطاع غزة".
واستدعت بلجيكا السفيرة الإسرائيلية لديها إثر إدلائها بتصريحات عن قمع المتظاهرين الفلسطينيين في قطاع غزة ودعت الى تحقيق دولي تشرف عليه الامم المتحدة حول المواجهات الدامية.
ودانت الامارات بشدة التصعيد الاسرائيلي في قطاع غزة. وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الاماراتية في بيان إنها تدين وتستنكر "استخدام الاحتلال القوة المفرطة ضد الفلسطينيين العزل الذين يمارسون حقهم في التظاهر والمطالبة بحقوق مشروعة".
طهران متشائمة بمصير "النووي"
من جهة ثانية، أجرى وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف محادثات في بروكسيل أمس، كرّر خلالها مطالبة الاتحاد الأوروبي بـ"ضمانات" لتلتزم بلاده تطبيق الاتفاق النووي المُبرم مع الدول الست، بعدما انسحبت منه الولايات المتحدة. وتزامنت المحادثات مع تشديد طهران ضغوطها وتشكيكها في نتيجة المحادثات، اذ رفضت التفاوض مجدداً على الاتفاق والبحث في برنامجها الصاروخي، ملوّحة مجدداً باستئناف تخصيب اليورانيوم "إلى أي مستوى".
وقال رئيس المنظمة الايرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي: "محادثاتنا مع الأوروبيين ليست قائمة على الثقة. لست متفائلاً بالنتيجة. لدينا القدرة ونحن مستعدون لاستئناف نشاطاتنا النووية إلى مستويات أعلى، إذا فشلت المحادثات مع الأوروبيين في إنقاذ الاتفاق النووي بعد خروج أميركا منه".
اما علي أكبر ولايتي، مستشار الشؤون الدولية للمرشد علي خامنئي، فأكد أن طهران لن تفاوض مجدداً على الاتفاق ولن تجري محادثات حول برنامجها الصاروخي، فيما قال الناطق باسم الحكومة الإيرانية محمد باقر نوبخت: "إن لم تُحفظ مصالحنا، سننسحب من الاتفاق ونستأنف التخصيب بنسبة 20 في المئة أو إلى أي مستوى نرغب فيه".
في بروكسيل، كرّر ظريف ان طهران "تحتاج الى ضمانات بأن فوائد الاتفاق ستتحقق". وزاد: "إذا أمكننا الحصول على فوائد منه، سنبقى فيه". وقال بعد لقائه وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني: "أعتقد بأننا على المسار الصحيح للتأكد من حفظ مصالح جميع الشركاء الباقين في الاتفاق، ضومانها، تحديداً لإيران. محادثاتنا مع الدول الثلاث ستستمر في الأسبوعين المقبلين"، في اشارة إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وأكدت موغيريني أن الاجتماع مع الوزير كان "مثمراً جداً"، مضيفة: "نعمل على الاجراءات التي يمكننا البدء بتطبيقها، وسننظر في مضمونها". وتابعت أن "الأمر الوحيد الأكيد في شكل تام، هو أن الاتحاد الأوروبي عازم على الحفاظ على الاتفاق الضروري لأمننا والأمن في المنطقة".
موغيريني التي استضافت اجتماعاً ضمّ ظريف ونظراءه من "الترويكا" الأوروبية، اشارت الى "بحث عن آليات الحفاظ على الاتفاق وحماية الاستثمارات الأوروبية" في ايران. وقالت رداً على سؤال لـ "الحياة" عن طابع البيان أو الوثيقة السياسية - التقنية التي تُناقش، من أجل إنقاذ الاتفاق النووي والاستجابة لشروط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن الجانب الأوروبي يبحث مع ايران في "إمكان تنسيق الأعمال من أجل الحفاظ على الاتفاق والاجراءات الكفيلة بتحقيق هذا الهدف".
وأكد مصدر أوروبي بارز أن دول الاتحاد "ليست مذعورة" من الموقف الأميركي، مستدركاً انها "لا تمتلك حلاً سحرياً" لمواجهة تشريعات العقوبات الأميركية. وقال ديبلوماسي أوروبي آخر: "دعونا لا نخدع أنفسنا بالقول إن هناك عشرات الأشياء التي يمكننا فعلها. ليس لدينا الكثير الذي نهدد به الأميركيين".
وأعلن وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أن الدول الأوروبية "ستناقش رزمة إجراءات لتشجيع الإيرانيين على البقاء في الاتفاق، بينها البحث في كل السبل التي يمكننا التوصل إليها لحماية الشركات البريطانية والأوروبية التي تريد التعامل مع إيران". ولفت الى وجوب "إبلاغها (ايران) قلقنا في شأن سلوكها الأشمل والتخريبي في الشرق الأوسط". وقال نظيره الألماني هايكو ماس: "نودّ أن نعرف ما يتوقعه الإيرانيون وكيف يمكن تحقيق التوازن مع تأثير العقوبات الأميركية، الحالية والمقبلة".
فرضت الولايات المتحدة أمس عقوبات جديدة تستهدف محافظ المصرف المركزي الإيراني بتهمة المشاركة في تمويل "حزب الله" اللبناني بشكلٍ سرّي.