انتقد الكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الإنسحاب من الإتفاق النووي مع إيران، معتبراً أنَّه كان هناك طرق أخرى يمكن أن يتمّ الضغط بها على طهران من دون إلغاء الصفقة التي عقدها الرئيس السابق باراك أوباما مع القوى الدولية الأخرى لـ"كبح طموحات إيران النووية".
واعتبر فريدمان في مقال بصحيفة "The New York Times" الأميركية أنَّ ترامب أراد أن يتخلّص من "إرث" أوباما وتحجيم إيران في ضربة واحدة، ولكنّه بسبب هذا الإجراء أدخل أميركا في ورطة مع حلفائها الأوروبيين.
ولفت إلى أنّ تعبير ترامب الشهير الذي قاله قبل أن يصبح رئيساً: "سنحرق هذا الجسر عندما نصل إليه"، وهو حينها كان يقصد الاتفاق النووي مع إيران، قد تحقق بالفعل، فقد أحرق ترامب كلّ الجسور.
وتطرّق فريدمان إلى استراتيجية أوباما المختلفة عن ترامب، حيث لفت إلى أنّ أوباما كان يرى أنَّ الشرق الأوسط منطقةٌ مختلفة عن غيرها، وأنَّ المزيج السام للتطرف الديني، والقبلية، والنفط، والفساد، وتغير المناخ، والحكم غير الرشيد يجعل من المستحيل تغيير المنطقة من الخارج، وأنَّ الأمر يحتاج إلى تغييرٍ من داخل المنطقة نفسها، مشيراً إلى أنّه مع نهاية سنواته الثمانية بالرئاسة، كان أوباما مشككاً في كل زعماء الشرق الأوسط ونواياهم، الإيرانيين والعرب والإسرائيليين كذلك"، وهذا جعله ينتهج البساطة في سياساته تجاه المنطقة، ويركز على الخطر الأكبر.
واعتبر فريدمان أنّ ترامب ترك العديد من الأسئلة الرئيسية من دون إجابة: من سيتولى السلطة في طهران إن انهار النظام الحالي؟ مشيراً إلى أنّ أحد الأمور التي تعلّمناها من "ثورات الربيع العربي" التي أطاحت عدداً من زعماء المنطقة أنَّه تقريباً في كل دولة كان بديل الاستبداد أمراً غير الديمقراطية، كالفوضى أو الديكاتورية العسكرية.
ويرى الكاتب الأميركي أنَّ إيران تستعرض نفوذها عميقاً الآن في قلب العالم العربي. لكنَّ هذا لم يحدث بسبب المال الذي حصلت عليه من الاتفاق النووي أو رفع العقوبات. لكن كان بسبب ضعف الدول السنية العربية ونزاعاتها المهلكة، التي خلقت فراغاتٍ في السلطة ملأتها إيران بشبكتها من الوكلاء. وبهذا تمكّنت من السيطرة اليوم بصورةٍ غير مباشرة على 4 عواصم عربية: بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء. وتساءل فريدمان، هل سيستخدم ترامب القوات الأميركية لكبح إيران؟ لا. هل لديه إذن قوات عربية لتفعل ذلك؟ لا أيضاً. والآن، هل لديه حلفاء أوروبيون ليفعلوا ذلك؟ لا. إذن، كيف بالضبط سينحسر المدّ الإيراني؟ محاسن قرار ترامب، وفقاً لفريدمان، أنّه يُحسبَ له أنَّه سلط الضوء على سلوك إيران "الكريه" بصورةٍ لم يفعلها الأوروبيون.
ويرى فريدمان أنّه كان على ترامب إبقاء الأمر بسيطاً، وبدلاً من إلغاء الاتفاق النووي، كان ينبغي له أن يخبر الأوروبيين أنَّ كلّ ما يريده للبقاء في الاتفاق النووي هو 3 تعديلات: 1- تمديد حظر تخصيب إيران لليورانيوم المستخدم في الأسلحة النووية من الأعوام الخمسة عشر التي تفاوض عليها أوباما إلى 25 عاماً.
2- موافقة الولايات المتحدة وأوروبا على فرض العقوبات إن حاولت إيران بناء صاروخ يمكن لمداه إصابة أوروبا أو أميركا.
3- استخدام الدبلوماسية في الولايات المتحدة وأوروبا لتسليط الضوء ومحاسبة إيران على "احتلال" سوريا والعراق ولبنان.
وكان الأوروبيون سيسرعون بقبول صفقةٍ كتلك، وكانت ستحافظ على جبهةٍ غربية موحدة لاحتواء تهديدات إيران، وكانت ستخلق نزاعاً كبيراً داخل إيران بين المعتدلين الذين كانوا سيرغبون في قبول تلك الصفقة المعدلة لتفادي فرض العقوبات مرةً أخرى والتخلص من انتقادات ترامب المستمرة، والمتشددين الذين كانوا سيرفضونها.
كما أنّ العبء كان سيقع على كاهل طهران، وليس ترامب.
وعبّر الكاتب ختاماً عن خيبته، إذ أنّ تطوير ما بدأه أوباما كان يمكنه تحقيق المصالح الأميركية، ويوفر ضماناتٍ لـ25 عاماً وتفتيشاتٍ دقيقة للحرص على عدم توفر قنبلةٍ نووية فجأةً في إيران، كما كان سيحافظ على التحالفات الحلفاء الأقرب، بدلاً من التهديدات بمعاقبة شركاتهم إن انخرطت في تبادلٍ تجاري مع إيران.
لكنَّ ترامب أراد تحطيم إيران وأوباما معاً، لهذا ألغى الاتفاق بالكامل، وفق تعبير الكاتب.
(عربي بوست)