شخص واحد من بين كل 5 أشخاص يعيشون في بيئات الأزمات الإنسانية، كالنزاع المسلّح والكوارث الطبيعية والمجاعات وتفشي الأوبئة، يعاني من مشاكل نفسية، فيما يُصاب أكثر من 300 مليون شخص بالاكتئاب حول العالم.
ويُفقِد القلق والاكتئاب الناس قدرتهم على المضي قدماً بحياتهم، فيتّجه بعضهم إلى طلب المساعدة المتخصصة لأسباب عدة، كفقدانهم لأحد أبنائهم جرّاء زلزال ما، أو إصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز أو السلّ، أو تعرّضهم للعنف الجنسيّ. وهنا، يكمن دور العاملين في مجال الصحة النفسية حيث من الأساسي الاستماع إلى قصص هؤلاء الناس ومساعدتهم على التكيف مع ظروفهم ومواصلة أنشطة حياتهم.
المعاناة واحدة ولو تبدلت الجغرافيا
اختارت "منظمة أطباء بلا حدود" الصحة النفسية لتسليط الضوء على المعاناة النفسية ضمن سياقات مختلفة. في لبنان مثلاً، الذي يستضيف ما يزيد عن 1.5 مليون لاجئ سوري، بالإضافة إلى مئات آلاف اللاجئين من جنسيات أخرى، تدير أطباء بلا حدود برامج الصحة النفسية منذ العام 2008. من خلال 11 مركزا في جميع المناطق اللبنانية تعالج فيها الفئات الأكثر حاجة من مختلف الجنسيات مجانًا.
العراق، أيضاً الذي يشهد منذ العام 2016 على تنقلات مستمرة حيث فرّ الناس من مناطق المعارك. ونزح حوالى 190,000 شخص من الموصل والمناطق المجاورة، وعاد ما يقارب 1.5 مليون شخص إلى المناطق التي نزحوا منها. وقرّرت المنظمة زيادة التركيز على الدعم النفسي للأشخاص الذين تعرضوا للصدمات من جرّاء العنف المتكرر وظروف معيشتهم المحفوفة بالمخاطر.
أما في فلسطين، فاستكملت المنظمة في العام 2016 برامج الصحة النفسية التي تديرها منذ وقت طويل في الضفة الغربية المحتلة كبرامج تُعنى بالصحة النفسية في محافظات الخليل ونابلس وقلقيلية وبيت لحم ورام الله التي تستهدف ضحايا العنف السياسي.
تبعات النزاع على السكان في بنغلاديش وأوكرانيا
تعمل منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في بنغلاديش منذ العام 1985، ولكن استجابةً للأزمة الإنسانية التي بدأت تفاصيلها تنكشف في كوكس بازار، زادت المنظمة عملياتها بشكل كبير في البلاد. ووصل أكثر من 688,000 لاجئ من الروهينغا إلى بنغلاديش
منذ 25 آب 2017، بعد تجدّد أعمال العنف في ولاية راخين في ميانمار، ما دفع منظمة أطباء بلا حدود إلى توفير الدعم الطبي والنفسي إلى 535 شخصاً وقعوا ضحية العنف الجسدي
أما في أوكرانيا، وجراء النزاع الذي دار في البلاد بين عامي 2016 و2017 تحمّل السكان المتواجدون على طول خط الجبهة وطأة العنف. وفقد الكثيرون أقرباءهم أو أصدقاءهم في النزاع. ما دفع بأطبّاء بلا حدود إلى تنظيم جلسات جماعية لجمع كبار السّن، وإدارة العيادات المتنقلة على طول خط الجبهة وزيادة الدعم النفسي والطبّي.
الأمراض الجسدية تولد معاناة نفسية!
إلى جانب النزاعات المسلحة، لا يدرك كُثر تأثير الإصابة بالمرض على الصحة النفسية، في حين يدرك سكان سيراليون التي أُعلنت خالية نهائياً من الإيبولا في 17 آذار 2016 حجم المعاناة. إذ كان الحصول على الرعاية الصحية محدوداً أصلًا قبل تفشي الإيبولا التي أودى بحياة 3,950 شخصًا، افتتحت أطبّاء بلا حدود في تموز 2015 عيادة توفر العلاج الطبّي والرعاية النفسية إلى أكثر من 400 ناجي وعائلاتهم.
أما مرضى نقص المناعة في زيمبابوي، فقد وفرت لهم منظّمة أطبّاء بلا حدود بالشراكة مع وزارة الصحة ورعاية الطفل الزيمبابوية مشاريع لتوفير العلاج لفيروس نقص المناعة البشرية والسل والأمراض غير المعدية ومشاكل الصحة النفسية.
العنف المسلح والجنسي
أما لضحايا العنف الحضري والعنف الجنسي في كولومبيا، فتقدم المنظّمة المساعدة وتستجيب لحالات الطوارئ. ويتعرّض الشعب للقتل والتشريد القسري والابتزاز والعنف الجنسي والاحتجاز. وفي العام 2016، وجّهت منظّمة أطبّاء بلا حدود تركيزها على المنطقتين الحضريتين توماكو وبوينافنتورا مقدّمة الدعم النفسي. وقدّم الموظفون في بوينافنتورا، حيث فرص الحصول على الرعاية محدودة أحيانًا، 1,710 استشارات عبر "خط المساعدة النفسية الهاتفي" الذي يشكّل خدمة استشارة سرية عبر الهاتف أُنشئت في العام 2015.
وفي المكسيك، تواصل المنظّمة مساعدة المهاجرين واللاجئين في أميركا الوسطى، بالإضافة إلى ضحايا العنف في مناطق أكابولكو وتييرا كالينتي وأواكساكا ورينوسا في المكسيك. ويفرّ كل عام 400,000 شخص هربًا من العنف والفقر في السلفادور
وهندوراس وغواتيمالا ويدخلون إلى المكسيك أملاً في الوصول إلى الولايات المتّحدة، ولكنّهم يتعرّضون بصورة منتظمة على الأراضي المكسيكية لمزيد من العنف. لذلك، تعمل المنظمة على جلسات للتوعية النفسية أو الأنشطة النفسية الاجتماعية.
الهجرة الحديثة والدعم النفسي
إلى ذلك، اعتادت الجزر اليونانية يوميًا حتى آذار 2016 استقبال آلاف الأشخاص الفارين من الحرب قبل متابعة رحلاتهم في أرجاء أوروبا. ولكن السبل تقطعت بالمهاجرين واللاجئين بعد إغلاق طريق البلقان، حيث حرم هؤلاء من الحصول على الخدمات الأساسيّة والمأوى اللائق أو المعلومات بشأن وضعهم القانوني. وركّزت منظّمة أطبّاء بلا حدود على تلبية الاحتياجات المعيّنة لأولئك العالقين في المخيمات غير الصحية. وعملت الفرق في أرجاء اليونان مقدمةً الدعم النفسي إلى الذين يعيشون في ظلّ ظروف صعبة في المخيمات المكتظة.
الصحة النفسية أقرت منذ 1998
على الرغم من أنَّ منظّمة أطباء بلا حدود تقدّم المساعدات الطبية الطارئة استجابةً لحالات النزاع المسلّح والكوارث الطبيعية والمجاعات وتفشي الأوبئة، إلاَّ أنَّها أدرجت استجابات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي كجزء من عملها في سياقات الحالات الطارئة منذ العام 1998 إذ إنّ العواقب النفسية لمعايشة أحداث صادمة يمكن أن تكون شديدة للغاية.
وبعد مرور 20 عاماً، باتت المنظمة تدير 143 مشروعاً يُعنى بالصحّة النفسية في 49 بلداً حول العالم. ولكنْ لا يعتبر إنشاء برامج للصحة النفسية في سياقات الحالات الطارئة سهلاً، خصوصاً في المناطق التي تتواصل فيها أعمال العنف أو الإصابات البالغة حيث لا يمكن الوصول إلى مرحلة "الشفاء"، كما يصعب في بعض الأحيان ضمان استمرارية تقديم الرعاية في البيئات الخطرة وغير المستقرة.