لا يمكن ربط الأزمة السريعة بين السعودية وكندا فقط بتغريدة يوم الجمعة حول دعوة كندا لإطلاق سراح الناشطين المعتقلين في السعودية. فالتباعد بين البلدين بدأ في أكثر من ملف وأكثر من اتجاه، وردمه اليوم سيحتاج إلى وساطة وحراك ديبلوماسي هادئ وجدي على أكثر من مستوى، وفق مقال كتبته جويس كرم في "الحرة".
وجاء في المقال أن "الرياض قرأت تغريدة الوزيرة الكندية للإفراج عن الناشطين بأنها تدخل في شؤون وانتهاك للسيادة السعودية، وجاء رد الفعل عليها والتصعيد المتدرج ليعكس خلافا أكبر بين الحكومتين. فكل القرارات السعودية ليست فقط للرد على تغريدة الوزيرة بل اتخذت قبل أكثر من ثلاثة أيام. ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى هذا التصعيد ثلاثة:
أولا، هناك تشنج كندي ـ سعودي يحيط بالعلاقة بين ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الكندي. فالشخصيتان لم تلتقيا وجها لوجه، ويحملان مقاربة متناقضة في العمل السياسي. فالسياسة السعودية تعتمد مقاربة نمط الاندفاع والحزم والربط بين السياسة والاقتصاد، فيما السياسة الكندية تتبنى القضايا الليبرالية والتقدمية في الداخل والخارج. النهجان مختلفان وكان لا بد من تصادمهما علنا أو وراء الكواليس.
ثانيا، حصل التصادم بشكل غير مباشر قبل التغريدة وكان عنوانه صفقة الأسلحة التي تبلغ قيمتها 15 مليار دولار من كندا إلى السعودية. الرياض وقعت الاتفاق في العام 2014 مع الحكومة الكندية السابقة برئاسة ستيفن هاربر، وهي تشمل أكثر من ألف عجلة رباعية متطورة من طراز "جنرال ديناميكس لاند سيستمز كندا"، وكما معظم العقود الدفاعية ارتأت السعودية أن تكون مدخلاً لتوطيد العلاقة مع كندا، إلا أنه مع صعود الليبراليين وحكومة ترودو، انهالت الضغوط لإلغاء الصفقة.
ورغم تأكيد ترودو الاستمرار بالصفقة التي تخلق حوالي 3000 وظيفة، فإن المناخ العام للعلاقة لم يعد كما كان عليه في 2014. والتأزم الحاصل اليوم قد يكون مدخلا إما لإعادة إنعاش العلاقة السعودية ـ الكندية والإبقاء على الصفقة أو فتح الباب على أزمة أطول تجمد العمل بها.
ثالثا، هناك تذمر سعودي حقيقي من تدخل أي طرف في قضايا الناشطين رأينا هذا التذمر يقود إلى تصادم مع السويد وألمانيا واليوم مع كندا. ورغم مقارنات البعض للأزمة مع كندا بالأزمة مع قطر، إلا أنها أقرب للأزمة مع السويد بإطارها وأفقها.
استدركت كندا الموقف بسعيها إلى وساطة إماراتية أو بريطانية مع السعودية. هذه الوساطة لا تعني الحل، إنما تعكس جدية من كندا في احتواء الأزمة، واقرارا بعمق الخلاف.
الإمارات هي من أقرب شركاء السعودية، وتملك علاقة متينة مع كندا، لذلك، قد تكون قادرة على رأب الصدع، وفتح حوار صريح بين الجانبين. هذا الحوار قد يطال العلاقة الدفاعية، كما السياسية، وقد يأخذ وقتا طويلا نظرا للمقاربات المتناقضة بين الطرفين حاليا.
تتحول أزمة تغريدة فريلاند بين كندا والسعودية إلى منعطف أساسي في العلاقة بين البلدين. إذا نجحت الوساطة والحوار حول الملفات العالقة بين الرياض وأوتاوا، نكون أمام علاقة تعاون وانفتاح بين الجانبين، أما الفشل فسيعني أزمة طويلة وتقلبا اقتصاديا وسياسيا وحتى جامعيا.
إلا أن بدء هكذا حوار، ولو بالطريقة الحالية، ضروري لتنفيس الاحتقان والحديث بصراحة عن كل الملفات وأفق العلاقة.
(الحرّة)