قبل أيام ضجّت مواقع التواصل احتفاء بشهامة رجل أمن سعودي شاهد حاجّة مسنّة فقيرة تمشي على حرارة الأرض بشبه حذاء من ورق، ففزع لمساعدتها وخلع حذاءه وهمّ راكعاً لإلباس العجوز الضعيفة.. شهامة الرجل وأخلاقه واندفاعته الصادقة إلى كونها ألهمت المغردين، دفعت أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل إلى التعليق على الفيديو المتداول للحادثة، لافتاً إلى أن "هذه الأخلاق من رجل الأمن رسالة وثقافة من مجتمع يتسابق أبناؤه وبناته على خدمة ضيوف الرحمن".
في الحياة هناك أشياء تقبل المنافسة وأشياء أخرى لا تقبلها ولا تخضع أصلاً لهذه المعادلة، ومن ذلك خدمة الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وحجاج بيت الله ورعاية شعائر الحج والعمرة في مواطن الإسلام الأولى. هذا الأمر لا ينافس فيه الدولة السعودية إلا الدولة السعودية نفسها، ليس من اليوم أو الأمس القريب، بل منذ زمن قديم. هو التزام سعودي يقوم به السعوديون بجدارة وتميز وتفاني منذ ثلاثة قرون تقريباً منذ قيام الدولة السعودية الأولى (1744 – 1818م) إلى أن استقرّ مع مؤسس الدولة السعودية الثالثة (1902) الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (1876 – 1953م) وأبناءه الملوك من بعده، رغم كل التحديات والمكاره والبروباغندا المشوهة للحقيقة والدعوات المشبوهة، وقد أشار الملك سلمان بن عبد العزيز إلى ذلك بالقول إن "المملكة تعتز وتشرف بخدمة الحرمين، وهو شرف خصّها الله به، وسخرت لك السعودية كل إمكاناتها لخدمة ضيوف الرحمن والسهر على راحتهم، وتيسير السبل لتسهيل أداء المناسك بكل طمأنينة"، مؤكداً رفض السعودية "لتحول هذه الشعيرة العظيمة إلى تحقيق أهداف سياسية أو خلافات مذهبية".
تاريخياً، ظهرت دعوات عدة لتدويل إدارة الحرمين ولا زالت تتوالى حتى يومنا هذا وإن بصيغ وأشكال مختلفة، وكان الهدف منها جميعاً النيل من جدارة السعودية في تنظيم ورعاية وحفظ مكة والمدينة، لكنها جميعها باءت بالفشل واصطدمت بجدار سميك من الجدارة السعودية في التنظيم والتسهيل والتيسير وحفظ الأمن وتنظيم الشعائر وخدمة الوفود بكل اللغات وكل الطرق وكل السبل على مرّ السنين والأيام.
ليس تفصيلاً استقبال نحو مليوني إنسان في فترة زمنية قصيرة جداً، وتنظيم حركتهم وانتقالهم مهمة شبه مستحيلة إلا على من يسرها الله تعالى، وجنّد لها الكفاءات والخبرات والمتطوعين والإمكانات. هكذا راكمت السعودية خبرات إدارية وأمنية وصحية وإعلامية وإرشادية وتوعوية ومرورية موسماً بعد موسم، ناهيك عن أن كل ذلك شرف رفيع وتكريم أخلاقي وديني للقائمين عليه لا يضاهيه أي شرف.
وإذا كانت رعاية الحج أمانة أداها السعوديون عبر التاريخ خير أداء، فإنه فوق ذلك حقّ سيادي للدولة السعودية، حق سيادي لا مزاح فيه ولا لعب، فمكة والمدينة تقعان على الأراضي السعودية، وأي عبث بهذا الأمر هو بمثابة إعلان حرب بحسب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير رداً على كلام قيل ويقال تنقيصاً وتشكيكاً بالإدارة السعودية للحج والمناسك.
هي أمانة المسؤولية وشرف الخدمة التي أداها السعوديون خير أداء على مرّ السنين وتستحق الشكر والتقدير.