في أوّل ردِّ فعلٍ على التظاهرات التي يشهدهال السودان منذ 6 أيام احتجاجاً على رفع أسعار الخبز، وعد الرئيس السوداني عمر البشير بإجراء "إصلاحات حقيقية" في البلاد.
ونقلت وكالة الأنباء السودانية الرسمية عن البشير قوله خلال اجتماعه بقادة جهاز الأمن والمخابرات، أمس الإثنين، إنّ "الدولة ستقوم بإصلاحات حقيقية لضمان حياة كريمة للمواطنين".
وعمّ الإضراب العام السودان وذلك في إطار موجة احتجاجات تشهدها البلاد منذ رفعت الحكومة أسعار الخبز وأعقبها تحرّك احتجاجي تخلّلته صدامات دامية قد تكون الأكبر خلال 3 عقود من حكم البشير.
ولبّت قطاعات مختلفة الدعوة إلى الإضراب التي أطلقها الأحد "تجمّع المهنيين السودانيين"، فيما كانت التظاهرات لا تزال مستمرّة حتى وقتٍ متأخّر من ليل الأحد في مدن عدّة، ولا سيّما أم درمان، المدينة التوأم للعاصمة الخرطوم.
ونقلت "فرانس برس" عن الطبيب محمد الأصم عضو تجمّع المهنيين قوله إنّ "الإضراب بدأ الساعة الثامنة صباحاً بالتوقيت المحلّي (6:00 بتوقيت غرينيتش)، مضيفاً: "الآن تجري عملية حصر لعددِ المستشفيات التي نفّذ فيها الإضراب في كلِّ السودان وعدد الأطباء الذين شاركوا فيه، لكن لدينا تجارب سابقة في الدعوة إلى إضرابات شاركت فيها كلّ المستشفيات الحكومية بكل مناطق السودان".
وتجدّدت الاحتجاجات في ولاية الجزيرة التي تترقّب زيارة للبشير الثلاثاء بحسب وكالة الأنباء السودانية.
وقال شاهد عيان من مدينة المناقل في الولاية (186 كلم جنوبي العاصمة الخرطوم) لـ"فرانس برس": "خرج عشرات من طلاب الجامعة وساروا في تظاهرة وهم يهتفون "الشعب يريد اسقاط النظام" وفرّقتهم الشرطة باستخدام الهراوات".
كذلك شهدت مدينة رفاعه (120 كلم جنوبي الخرطوم) تظاهر عشرات الطلاب الذين اغلقوا الطريق واحرقوا إطارات قديمة للسيارات، وفقاً لشاهد آخر.
"تنحّي البشير"
وفي بيان أصدره، أمس الإثنين، قال تجمّع المهنيين إنّه قرّر تسيير تظاهرة اليوم الثلاثاء إلى القصر الجمهوري "لتسليم مذكرة لرئاسة الجمهورية تطالب بتنحّي الرئيس فوراً عن السلطة استجابة لرغبة الشعب السوداني وحقناً للدماء". وأضاف البيان أنّ "التجمّع يقترح إذا ما وافق البشير على التنحّي أن تتشكّل حكومة انتقالية ذات كفاءات وبمهام محدّدة ذات صبغة توافقية بين أطياف المجتمع السوداني".
ورأى محلّلون بناء على هذه التطوّرات أنّ الأوضاع مفتوحة على كلّ الاحتمالات، معتبرين أنّه إذا كان المحرّك الأساسي للاحتجاجات هو الوضع الاقتصادي فإنّه في النهاية مرتبط بسياسات الحكومة.
وقال عبد اللطيف البوني عميد كليّة الاقتصاد في "الجامعة الوطنية" لـ"فرانس برس" إنّ "السبب الأساسي للاحتجاجات اقتصادي ومرتبط بغلاء الأسعار، إلاّ أنّ الأزمة الاقتصادية جذرها سياسي ومتمثّل في فشل السياسات الحكومية وارتكابها أخطاء وسوء إدارة".
لكنّ المتحدّث باسم "حزب المؤتمر الوطني" (الحزب الحاكم) إبراهيم الصديق اعتبر أنّ اسباب الاحتجاجات اقتصادية لكنّ "البعض" استخدمها خدمة "لأجندات سياسية".
أجندات سياسيّة
وقال: "هناك سببان للأحداث أحدهما الضائقة الاقتصادية وهذا مفهوم الاحتجاج ضدّه والحكومة معترفة به والناس خرجت بسبب شحّ الخبز والوقود والسيولة النقدية وهذا من حقّها"، مضيفاً: "أمّا السبب الثاني فهو أجندات سياسية بعضها داخلي لأحزاب يسارية تريد خلخلة بنية الدولة وبعضها أجندة خارجية مرتبطة بالمجموعة التي أُعلن أنّها ضبطت وتنتمي لحركة عبد الواحد نور المتمردة وجاءت من اسرائيل وهي من تسببت في حرق المؤسسات".
لكنّ المحلّل السياسي محمد لطيف وهو كاتب زاوية يومية في صحيفة "اليوم التالي" رأى أنّه "في ظلّ شحّ الموارد الذي تعاني منه الدولة وغياب أفق حلّ للأزمة الاقتصادية الخيار الوحيد المتاح حلّ سياسي بانفتاح الحكومة ومخاطبة مطالب الجماهير وفتح منبر الحوار مع كل المكوّنات السياسية السودانية بدون استثناء".
غير أن البوني يعتبر أنّ "الباب مفتوح على كل الاحتمالات: إذا دخلت قوى خارجية على الخط وساندت الاحتجاجات، حتى لو إعلامياً فقط، فسيؤدي ذلك إلى تغيير سياسي. أمّا إذا لم يحدث ذلك، فستتراجع الاحتجاجات".
وأوضح أنّ "سبب ذلك بسيط وهو أنّه ليس هناك مجال للمقارنة بين المعارضة الداخلية والقوة الأمنيّة للنظام".
كل الاحتمالات
من ناحيته اعتبر لطيف أنّ "استمرار التظاهر يعتمد على ردّة فعل الحكومة، فإذا أصرّت على الحلّ الأمني والتصعيد سيحدث تصعيد من الطرف الآخر وسيصبح حينها الموقف مفتوحاً على كل الاحتمالات"، محذّراً من أنّه "في ظلّ التركيبة الهشّة للسودان وانتشار الكيانات المسلّحة يمكن للمستقبل أن يكون قاتماً".
وأضاف: "ليس هناك خيار سوى مراجعة التركيبة الحاكمة، وعلى الحزب أن يراجع علاقاته ومواقفه وإلا سيجد نفسه أمام وضع لا يحسد عليه، وأعتقد أن حزباً بهذه الهشاشة التي ظهرت لا يمكنه قيادة المرحلة القادمة لذا مراجعة مواقفه وهيكله حتمية".
بالمثل، قال البوني إنّ "الاحتجاجات أحدثت هزّة عنيفة داخل النظام ولا بدّ له من مراجعة مواقفه".
غير أنّ المتحدّث باسم الحزب الحاكم قال إنّ "أيّ تركيبة سياسية تحدث فيها تغيّرات وهذا أمر طبيعي ومطلوب، ونحن كحزب نطوّر هياكلنا باستمرار، وهذا الأمر غير مرتبط بالتطورات الآنية، ونعمل في هذه الأيام على البناء الهيكلي للحزب".