في مذكراته قال وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف إنه " في الديبلوماسية عليك أن تبتسم دائماً، ولكن عليك أن لا تنسى أبداً أنك تتحدث مع العدو".
لكن ماذا لو أصبح العدو صديقاً؟
لم تمر حادثة استقالة وزير الخارجية الايرانية ظريف مرور الكرام، بل لاقت اهتمام الكثير من الدول بخاصة الغربية، إذ أن شكل الاستقالة كان مبهماً غير واضح إلى أن فسره "غيابه" عن اللقاء الذي جمع كلاً من المرجع الأعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي والرئيس السوري بشار الأسد بحضور قائد فيلق القدس قاسم سليماني.
وكالة "بلومبرغ" وصفت ظريف بأنه "القائد الساحر"، لافتةً إلى أن "العلاقة الايرانية مع الغرب قد تتأثر برحيل ظريف"، أما مجلة "فورين بوليسي" فعلقت بأن "ايران ستفقد آخر رابط لها مع الغرب"، معتبرةً أن "استقالة ظريف ستفتح الباب على تشدد جديد، فقد كان ظريف بارعاً في عالم الديبلوماسية"، من جهتها عبرت "البي بي سي" بأن ظريف "يمكن وصفه بأنه تركيبة من ماء وزيت، فيه متناقضات لا تجتمع بسهولة في شخص واحد".
وخلال اللقاءات التي عقدت بين ظريف ووزير الخارجية الامريكي آنذاك جون كيري، للوصول لصيغة لموضوع الملف النووي الايراني، وصف ظريف كيري بأنه "رجل منطقي وأنه يرغب في الوصول إلى اتفاق"، لم يدرك ظريف حينها بأنه يوجد في ايران من ينتظر فشل ذلك الاتفاق للقضاء على الاصلاحي الذكي، إذ يصفه بعض المتشددين في ايران بأنه "مبتلى بالثقافة الغربية".
في بيان انتصار الثورة الاسلامية لسنة 2019 والذي يصدر عن المرشد الأعلى خامنئي، وعلى غير عادة أشار الأخير إلى "مكان الخطأ في السياسة الايرانية"، إذ أنه سابقاً كان يشير إلى "وجود بعض الثغرات التي يجب اصلاحها"، قائلاً: "واعلموا أنّه لو لم تحصل هذه اللامبالاة تجاه الشعارات الثوریة، والغفلة عن السیاق الثوري في بعض المراحل من تاریخ الأربعین عاماً هذه ـ وهو ما حصل للأسف وتسبب في بعض الخسائر ـ لکانت مکتسبات الثورة أکثر من هذا بکثیر، ولکان البلد متقدّماً بأشواط في طریق الوصول إلی المبادئ الکبری، ولما كانت الکثیر من المشکلات موجودة الیوم".
علماً أن من أبرز الشعارات الثورية التي أشار إليها خامنئي هي "أمريكا الشيطان الأكبر"، لكن ظريف وللوصول إلى مبتغاه من الاتفاق النووي، غض نظره عن هذا الشعار وجلس مع الأمريكيين علماً بأن المرشد لم ينصح بهكذا خطوة. إنها "اللامبالاة" التي تكلم عنها المرشد!
لاحقاً، جرى اللقاء مع الرئيس الاسد لتتظهر معه خلافات ما تحت الطاولة، ظريف غير موجود إذن غير مرحب به.. فيستقيل.
الصحف الاجنبية ولو عن غير قصد أبدت إعجابها بظريف وكأن الغرب يريده، ربما خوفاً من أن يحل محله من لا يتعاطى الديبلوماسية من حاشية المرجع الأعلى الذي يقول: "أنا لست ديبلوماسياً، أنا ثوري أقول رأيي بكل صراحة."
من جهته الرئيس روحاني لم يقبل طلب الاستقالة، ويبدو أن سليماني ومن معه أحسوا بأنه هناك خطأ في التقدير، إذ صرح قائلاً: "لظريف إنجازات قيمة لتأمين المصالح القومية الإيرانية على عدة مستويات وتمتع بالدعم الكافي في طريق مقارعة أعداء إيران".
وأضاف سليماني: "أن ظريف مسؤول السياسة الخارجية في إيران وخلال فترة توليه مسؤولية الخارجية، تلقى الدعم من كبار المسؤولين وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي".
بعد كل ذلك، تصل دعوة لظريف من قبل الدولة السورية لزيارتها، ولعل هذه المبادرة تخفف وطأة ما نتج من خطأ في البروتوكول!
(محمد حمدان)