في الحرب، أيّ حرب، يتحرّك الإنسان بدافعٍ من فطرته، ينزح داخلياً من منطقةٍ ساخنة إلى منطقةٍ آمنة نسبياً، وربمّا ينزح من مدينةٍ إلى مدينة، وربمّا يهاجر محاولاً النجاة من الحريق الذي يلتهم بلاده، كلّ بلادِه.
رحى الحرب السورية طحنت مدناً بحالها: حلَب منكوبة، حمص القديمة صارت أنقاضاً، ريف دمشق يسيطر عليه المسلّحون، ريف اللاذقية ليس أفضل حالاً، تدمر صارت مستوعباً لـ "داعش"، الرقّة تحوّلت إلى ولاية إسلاميّة، دير الزور محاصرةٌ منسيّة... وأمام هذه الخريطة الموجعة يجد المواطن السوري نفسه مضطراً للسفر بحثاً عن أسباب الحياة.
يشكّل لبنان، الى جانب الأردن وتركيا، نقاط جذب لعدد لا بأس به من النازحين السوريين الّذين تمركزوا في دول الجوار. أمّا دول الخليج فقد أوصدت أبوابها تماماً في وجه اللاجئين، بالرغم من كونها لاعباً رئيساً في الحرب الّتي تسببت بتهجيرهم.
مؤخّراً، تزايدت أعداد المهاجرين إلى أوروبا بشكلٍ غير مسبوق، وكما في جميع الحروب، فإنّ الدول الحاضنة للمهاجرين لا تشتغل على تأمين طرق تضمن لهم وصولاً آمناً إلى أراضيها، لكنّهم إذا ما وصلوا فستكون بانتظارهم تسهيلاتٌ كثيرة، وكأنّ دول الغرب تقول للاجئين "تعالوا بأيّ طريقةٍ كانت.. ودعوا المهمة لنا"، الأمر الّذي دفع بعددٍ كبيرٍ من السوريين إلى اللهاث خلف السّفر بكلّ السبل المتاحة، حتّى وإن تمّ الأمر على نحو يعرّض حياة المهاجر، وعائلته، لخطر الموتِ غرقاً في عرض البحر، أو خنقاً في شاحنات مغلقة منسيّة.
يشرح خلدون (اسمٌ مستعار) تفاصيل هجرته إلى العاصمة النمساوية فيينا قائلاً "عبرت الحدود السورية التركية، بصورة غير شرعية، سيراً على الأقدام، حالي في ذلك حال عشرات الشبّان السّوريين، وهناك كان في استقبالي ثلاثة من أصدقائي الذين سبقوني إلى اتخاذ قرار الهرب خارج البلاد". ويضيف "اجتمعت بمهرّب يُدعى حمدان، وهو رجلٌ سوريّ يتقن اللغة التركية بشكلٍ جيّد، وخيّرني بين الإبحار نحو جزيرة ميتيليني اليونانية بوساطة البلم (قارب مطاطيّ) لقاء مبلغٍ وقدره 2500 دولار، وبين الجلوس في المقصورة السفلية ليختِ صيدٍ أكثر أماناً مقابلَ أجرٍ مضاعف 5000 دولار. اخترت الحلّ الأوّل نظراً لعدم امتلاكيَ ما يكفي من النقود".
ويستطرد خلدون "في البحر، ظننت أنّنا لن نصل إلى اليونان أبداً، واعتقدت أننا غارقون لا محالة، لكنّ هذا الكابوس انتهى حين بدأنا نُلقي بأجسادنا المتعبة على الشواطئ الإغريقية، لتستمرّ بعد ذلك رحلتنا المضنية بدءاً من مقدونيا مروراً بالمجر وصولاً إلى النّمسا، وكنت أشتري بطاقة اتّصال في كلّ بلد حتّى أتمكّن من التواصل مع عمّي الّذي كان في انتظاري حين وصلت إلى فيينا، وهناك استطعت أن أستحمّ بماءٍ حلوٍ لا أتحسّس فيه طعم ملح البحر على شفتيّ".
يُعتبر خلدون أكثر من محظوظٍ إذا ما قيست تجربته بتجارب مختلفةٍ لعائلاتٍ وأفراد انتهت رحلاتهم، نحو الغرب المُشتهى، غرقاً في مياه المتوسّط، أو "مقبرة المتوسّط"، كما يحلو لبعضِ السوريين تسميتها اليوم.
تبدو تجارة تهريب اللاجئين رابحةً للغاية، فرأسمالها قاربٌ مطاطيّ، و"بضاعتها" سوريّون ضاقت بهم بلادهم، وسوق تصريفها بحارٌ واسعة.
بعضُ مكاتب السفر في دمشق تشتغل على خطٍّ موازٍ، حيث تقوم بتأمين قبولات جامعية للطلاب السوريين في الجامعات الألمانية، وذلك لقاء بدل يبلغ 12500 دولار متضمّناً رسوم الجامعة وأجور المكتب وبطاقة الطائرة و8000 دولار توضع في حسابٍ مصرفيّ يخصّ المهاجر ضمن أحدِ المصارف الألمانية، على أن يُمنح المبلغ للطالب على شكل رواتب شهرية تُعيله في العام الأوّل من دراسته الجامعية.
أسباب الهجرة.. وتجارة تأجيل الخدمة الإلزامية.
بالإضافة إلى هربهم من الموت الّذي يترصّدهم كلّ يومٍ ألف مرة، يعاني السوريّون من جملةِ ضغوط تُسهّل اتخاذهم لقرار الهجرة. ويجيء الوضع المعيشي المتردّي في صدارة هذه الضغوط، حيث تقف الحكومة السورية عاجزةً عن اجتراح حلولٍ لوضع حدّ للفساد الذي ينهش بدن الدولة. وضمن هذا السّياق نستطيع أن نشير إلى واحدٍ من العوامل الوازنة الّتي تشجّع الشباب السوريين على السّفر، والحديث هنا عن الخدمة الإلزامية في الجيش والقوات المسلّحة.
يقول إيّاس، وهو عسكري سوري: "قبل الحرب، العسكري، ضابطاً كان أم صفّ ضابط أم مجنّداً، يُنهي خدمته الإلزاميّة خلال عامين ونصف العام، أمّا اليوم فإنّ وزارة الدفاع تحتفظ بنا لمدّة قد تتجاوز خمس سنوات ونيّف". ويستطرد "أقاتل مع مرتّبات الفرقة الرابعة. أصبت ثلاث مرّات، وصُمّت أذني اليسرى، لكنّي ما زلت حيّاً. ربمّا يحتفظون بي لعامٍ أو عامين إضافيين، ويُصار إلى تسريحي بعدها وأنا على أعتابِ عامي الثلاثين، فأيّ رغدٍ في انتظاري، وأيّ مستقبلٍ سأبنيه وقد انتصفت بي الحياة ودخلت معتركها المهنيّ بجسدٍ مصاب وأذنٍ صمّاء؟".
ضمن سياق النتائج نستطيع أن نلحظ أن طيفاً لا بأس به من السوريين المهاجرين هم شبابٌ تتراوح أعمارهم بين 20 و 25 سنة، وذلك بعد أن يستنفدوا فرصهم في تأجيل الخدمة العسكرية، وتُشكّل "مهارات" تأجيل الالتحاق بالخدمة العسكريّة مصدرَ رزقٍ للعديد من السماسرة الّذين يملكون في جعبتهم من الفتاوى ما يسمح لمستنفذي فرص التأجيل بالحصول على استثناءٍ رسميّ من دوائر التجنيد عن طريق تقارير طبيّةٍ مزوّرة أو بيانِ وضعٍ عائليّ يستجدي عطفَ وزارة الدّفاع وغيرها من الطرائق الّتي يتقاضى "تجّارها" مبالغ تصل إلى عتبة مليون ليرة سورية عن كلّ سنةِ تأجيل.
(رامي كوسا - السفير)