لقي تلخيص المندوب الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بخصوص اجتماع فيينا آذاناً طيبة في دمشق، ولا سيما حين أوضح دي ميستورا قناعته بأن اللاعبين الأكبر في العالم باتا على "توافق ملموس" بشأن القضية السورية، بما يمكن أن "يقلص أهمية الأدوار الإقليمية المعطلة".
وخلال ساعتين من اللقاء في بناء الخارجية السورية في كفرسوسة، نجح المبعوث الأممي، للمرة الأولى ربما، في نقل إحساسه "الإيجابي" عن اجتماع دولي حضره، وهو الذي جرى في فيينا، إلى مضيفيه في دمشق، رغم القناعة العامة بأن "الطريق لا زال طويلا".
وكما سبق وذكرت "السفير" قبل يومين يشعر دي ميستورا بأن "مجموعة الاتصال الدولية" التي طالب بها، وتحدث عنها بيان لمجلس الأمن الدولي قبل أشهر، باتت في متناول اليد، وأنه سيقع على عاتقها رسم المسار السياسي الذي سيكون عليه وفريقه تنفيذه عملياً بـ "التعاون مع الأطراف المعنية"، سواء كانت إقليمية أو محلية.
وقالت مصادر ديبلوماسية غربية في بيروت، لـ "السفير"، إن اجتماع فيينا شهد بالفعل "تناغماً بين الجانبين الأميركي والروسي"، لدرجة أن الأميركيين اضطروا غير مرة لمقاطعة أحد ممثلي الدول العربية المناهضة لدمشق، داعين "لعدم العودة لمصطلحات العام 2011 لأن الزمن تجاوزها". وبالرغم من أن الكلام يوحي دوماً بالعقدة المتمثلة بـ "بقاء الرئيس السوري والفترة التي يتضمنها حكمه مستقبلا أم لا"، إلا أنه وفقاً للمصدر ذاته، فإن هذه النقطة بالذات تحتمل نقاشاً طويلاً ربما لن يتسع له مؤتمر فيينا المقبل، والمتوقع قبل نهاية الشهر الحالي.
ودمشق غير المدعوة للاجتماع المقبل، وفقاً لما أكده مصدر سوري لـ "السفير"، ترى بالتلاقي مع حليفيها الروسي والإيراني أن اجتماع فيينا يفترض أن يخصص لبحث "مكافحة الإرهاب"، عبر تحديد القوى التي ينطبق عليها هذا التوصيف، وبالتالي يجب مجابهتها.
وكما علم سابقاً، تبادل الجانبان السعودي والروسي لوائح بهذا الشأن، حيث تفترض موسكو أن أي طرف يتم الاتفاق بشأنه تصبح "مقاتلته واجباً دولياً".
ووفقا للمصدر الديبلوماسي، نقلاً عن زملاء حضروا الاجتماع، فإنه يمكن تلمس التغيير الذي حصل في المزاج الأوروبي اتجاه موضوع مكافحة الإرهاب، ولا سيما على الضفة الفرنسية. ووفقا للمعلومات ذاتها، يبدي الفرنسيون موقفاً أكثر ليونة داخل القاعة من الذي تبوح به حناجر مسؤوليهم علناً.
ويقع هذا البوح ربما تحت تأثير عاملين، وفقا لتحليل المصدر السابق، الأول الاستطلاعات التي تجريها وسائل الإعلام الفرنسية، وبينها "لو فيغارو" و "آر تي آل"، والتي تميل نتائجها لدعم حل يبقي الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة، وهي استطلاعات شملت ما يقارب 200 ألف شخص، وثانيا الحماسة التي تبديها الوفود الفرنسية لزيارة دمشق، وآخرها الآن وفد سيزور العاصمة السورية قبل منتصف الشهر الحالي، ويضم خمسة نواب بارزين من اليمين على الأقل، ورجال أعمال ومثقفين لهم تأثيرهم على الرأي العام الفرنسي، وذلك بعد أيام على زيارة وفد مماثل التقى الرئيس السوري الأسبوع الماضي.
و "يحتاج الفرنسيون للحاق بالركب"، وفقا للمصدر السابق، لا سيما أن "جنيف" بات أشبه بمرجعية نظرية فقط، فيما الفعل سيكون لفيينا، وتوافقاتها المقبلة. ويذكر مسؤول سوري أنه في بداية العام 2012 حاولت أوساط دولية، في ظل أجواء الحديث عن "جنيف 1"، نقل مكان الاجتماعات إلى فيينا، وذلك بتشجيع من دمشق، التي تطمئن لسياسة النمسا الخارجية، وقدرتها الإيجابية على التأثير على الأجواء السياسية، ولكن من دون جدوى، ليعود الفعل لأجواء العاصمة النمساوية مؤخراً.
هل يخشى الجانب السوري من تعطيل جديد؟
"ممكن" يجيب مصدر في دمشق، "لكننا لن نكون من يتحمل مسؤوليته"، ولا سيما أن "الثلاثي الرئيسي" في الحرب مع سوريا، متمثلاً في تركيا وقطر والسعودية، "لن يلائمه المسار الجديد، لدرجة ربما كان يتمنى أن لا يُدعى إليه". كما أن مسؤولاً إيرانياً حذر من مقاطعة بلاده للاجتماعات إن "لم تكن بناءة".
وثمة توقعات أن تسعى الأطراف غير المستفيدة من "إيجابية فيينا" لإيجاد سبل "استفزاز وتعطيل للمسار الجديد". وجاء متزامناً مع هذا الأمر، فوز "حزب العدالة والتنمية" التركي بغالبية مطمئنة في الانتخابات، وهو ما كان له وقع "سلبي للغاية" على من في دمشق. لكن مصدراً سورياً ديبلوماسياً قال، لـ "السفير" إنه "يمكن أيضاً لـ(الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان أن يتعلم مما جرى معه في الانتخابات الأولى" التي كانت قد قادت لخسارة الحزب غالبيته البرلمانية المطلقة، في إشارة إلى سياسته في سوريا.
من جهة أخرى، دعا دي ميستورا، أمس الأول قبيل مغادرته دمشق، للعمل على إنجاح مسار المجموعات العاملة التي ستواكب مستقبلاً نشاط "مجموعة الاتصال" أو اجتماعات فيينا. وقال مصدر مسؤول لـ "السفير" إن دمشق أبلغت المبعوث الدولي جاهزيتها لهذا الأمر، مضيفاً أن "الأمر ذاته ينطبق على الأفكار المتعلقة بتشكيل حكومة وحدة وطنية" التي جاء على ذكرها في اجتماع فيينا، و "ثمة اتفاق مع الروس على أنها يجب أن تكون شاملة وعلمانية ولا تمثيل للإرهابيين فيها".
وموسكو كما هو معلوم قدمت لائحة من 40 معارضاً "يمكن التفاوض معهم"، من دون أن تنسقها مع دمشق، ولكن من دون أن يكون ثمة تضارب كبير بين ذهنية الحليفين في اختيار الأسماء. ويدرك الجانبان أن حصرية التمثيل التي كانت تتمتع بها بعض أطراف المعارضة انتهت، وأن ثمة أسماء قديمة جديدة يجب أن تحتل مقاعد الصالات المضاءة. لكن وفقاً للتقييم ذاته يبقى أن المفاوض يجب أن يمثل طرفاً في الميدان، يستطيع اجتذابه للحوار، وهنا توجد معضلة مختلفة، لم يتحقق تقدم بشأنها، خصوصاً أن المجتمعين، وفقا لقناعة دي ميستورا أيضاً في لقائه الدمشقي الأحد الماضي، يعتقدون أن "الأولوية الملحة" يجب أن تكون لـ "خطوات وقف إطلاق النار بين المتقاتلين، وترتيب خطوات مساعدة إنسانية".
لكن كيف؟ وفقاً للمصدر السوري "تكمن صعوبة كبيرة هنا"، رغم التكرار بأن الحكومة السورية جاهزة من طرفها لهذا الأمر، فيما يصبح "هنا على كل طرف دولي وإقليمي أن يثبت جديته في فرض هذا التوافق، إن حصل، على لاعبيه".
(زياد حيدر - السفير)