للأزمة الأوكرانية أسبابها، وتذكّر الكثير من المحللين والخبراء بحقبة الحرب الباردة. وبالتالي من الصعب التيقن بما يمكن أن تؤول اليه الأوضاع، طالما أن كل الوقائع تنذر بأن الأزمة ذاهبة نحو مزيد من التصعيد في ضوء تداخل مصالح
الولايات المتحدة والدول الغربية ما يجعل الحلول المرجوة بعيدة المنال. علما أن الرئيس الأمريكي جو بايدن مستعدّ "للقاء" نظيره الروسي فلاديمير بوتين "في أي وقت وبأي صيغة إذا كان ذلك يسمح بتجنّب حرب" في أوكرانيا، بحسب ما اعلن وزير الخارجية أنطوني بلينكن عبر شبكة "
سي أن أن" باشارته إلى أن المسار الدبلوماسي لا يزال ممكنًا إلى حين "تحرّك الدبابات (الروسية) فعليًا وتحليق الطائرات".
لا خفايا للأزمة الاوكرانية – الروسية، فجوهر المشكلة واضح، يقول المسؤولون الروس. فبعد مظاهرات واسعة النطاق نظمت في ميدان الاستقلال وسط كييف تدعو إلى الانضمام للاتحاد
الأوروبي والناتو، وقع الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش في 21 شباط 2014 اتفاقية افضت إلى تسوية النزاع ونصت على تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة. ورغم ذلك شهدت كييف ما اعتبره الروس انقلابا سلطويا، فاستولت المعارضة على الحكم بطريقة غير دستورية، ما تسبب باندلاع نزاع مسلح في جنوب شرقي أوكرانيا حيث شهدت مقاطعتا دونيتسك ولوغانسك (ومعظم سكانها ناطقون باللغة الروسية) احتجاجات واسعة ضد الانقلاب في كييف، بينما شنت الحكومة الأوكرانية الجديدة ضدهما "عملية مكافحة إرهاب"في 14 نيسان 2014. وفي ايار 2014 أعلنت لوغانسك ودونيتسك نفسيهما جمهوريتين شعبيتين مستقلتين. وبغية وضع حد للنزاع في دونباس( تقع على المناطق المتاخمة للحدود مع روسيا)، أسهمت
روسيا كعضو في "رباعية النورماندي" في إبرام اتفاقات مينسك التي تنص على تسوية النزاع ومنح دونيتسك ولوغانسك وضعا خاصا ضمن الدولة الأوكرانية، لكن لم يتم تطبيق أي من بنودها .
وفق السفير الروسي السابق في
لبنان الكسندر زاسيبكين فإن تطور الخلاف بين روسيا وأوكرانيا يرد إلى المواجهة في دونباس وعدم تطبيق اتفاقيات مينسك (شباط 2015)من قبل نظام كييف ودور الانجلوسكسون الذين يشجعون هذا النظام على العدوان ضد دونباس. فالانجلوسكسون يقفون موقفا مكشوفا مشجعا لتصعيد التوتر. وكما اعطت مجموعة السبعة( الولايات المتحدة، بريطانيا، إيطاليا، فرنسا، ألمانيا، اليابان وكندا) ضوءا اخضر لأية عمليات عسكرية أو ارهابية أوكرانية ضد دونباس فإن عددا من الدول الأوروبية وكل
وسائل الإعلام الغربية تشارك في صب الزيت على النار.
لم تتراجع الاطراف المعنية عن اتفاقيات مينسك ، يقول زاسيبكين لـ"لبنان24". لكن نظام كييف يرفض تطبيق بنودها ويواصل قصف المناطق السكنية وتنفيذ الاعمال الارهابية. أما سكان دونباس فيرفضون سيطرة النظام النازي الأمر الذي يضع تطبيق اتفاقات مينسك في مأزق.
لا تنوي روسيا السيطرة على أوكرانيا وتحمل أعباء الاحتلال، خاصة أن المجتمع الاوكراني منقسم والاقتصاد منهار. ويريد
الاميركيون والبريطانيون توريط روسيا في أوكرانيا لأن الفتنة هي مشروعهما.
لا تسعى روسيا إلى التدخل في أوكرانيا لأسباب سياسية واقتصادية بل تتعهد بإنقاذ دونباس من الذبح والتدمير. وبينما يربط البعض بين التدخل الروسي في
سوريا واعتماد موسكو للاستراتيجية نفسها تجاه أوكرانيا، فإن زاسيبكين يقول: صحيح أن روسيا في كل مكان تقف ضد التطرف والإرهاب وتدعم الشعب المقاوم، لكن ثمة فرق ما بين الوضع في البلدين. ففي سوريا وقفت روسيا الى جانب النظام الشرعي الذي طلب المساعدة، أما في أوكرانيا فهي تقف إلى جانب السكان الروس الذين يرفضون الخضوع للانقلابيين.
بالنسبة الى زاسيبكين، فإن الحلول هي في اطار صيغة النورماندي وعملية التسوية ليست بحاجة الى أية وساطة أخرى. والمطالب الروسية الخاصة بالضمانات الأمنية، تبقى الأساس لتأمين الأمن والاستقرار في المنطقة الأورو - أطلسية. وحتى إذا رفض الغرب هذه المطالب اليوم، فلن تتراجع روسيا عنها لأنها قضية مصيرية للدولة الروسية
ان الأزمة الأوكرانية لها أبعاد عدة مرتبطة بامدادات الغاز إلى أوروبا. فالمحاولات الاميركية مستمرة لقطع توريد الغاز الروسي الى اوروبا، يقول زاسيبكين. وبطبيعة الحال، إذا نجحت هذه المحاولات فسوف تؤثر سلبا على الاوضاع الاقتصادية لعدد من الدول الاوروبية وبدرجة أولى ألمانيا، أما واشنطن فإنها قد تحقق المكاسب لكن على حساب برلين. وهنا يعتبر المراقبون أن واشنطن تسعى إلى ضرب خط أنابيب نورد ستريم، الذي تستفيد منه المانيا المستورد
الرئيسي للغاز الروسي في أوروبا، إلا أن اغلاق نورد ستريم لن يكون مفيدا.