قال
وزير الخارجية الأميركية السابق هنري كيسينجر، معلقاً على الغزو الروسي لأوكرانيا: "نحن نعيش الآن حقبة جديدة تماماً".
وبحسب صحيفة "
واشنطن بوست" الأميركية، "في مقال له نشر الأسبوع الماضي، أوضح الرئيس الأميركي جو بايدن المخاطر. وكتب: "إذا لم تدفع
روسيا ثمناً باهظاً لأفعالها، فسوف ترسل رسالة إلى المعتدين المحتملين الآخرين مفادها أنهم يستطيعون أيضًا الاستيلاء على الأراضي وإخضاع البلدان الأخرى. هذا الأمر من شأنه أن يعرض بقاء الديمقراطيات السلمية الأخرى للخطر. ويمكن أن يمثل نهاية النظام الدولي القائم على القواعد ويفتح الباب للعدوان في مكان آخر، مع عواقب كارثية في كل أنحاء العالم".
في أوقات مشابهة لتلك التي نمر بها، بدا من المناسب أن يلقي وزير الخارجية أنطوني بلينكن خطابًا سياسيًا رئيسيًا، وهو ما قام به أواخر الشهر الماضي، إلا أنه اختار إلقاء الخطاب... عن الصين. لم يحمل الخطاب أي جديد؛ إلا أنه كان أكثر دقة قليلاً من الضربات المعتادة التي يتم تمريرها في استراتيجية الصين هذه الأيام. وما شكل مفاجأة حقيقية هو أنه في منتصف أول حرب برية كبرى في أوروبا منذ عام 1945، والتي شكلت ولا تزال عواقب وخيمة، اختار بلينكن عدم وضع إستراتيجية للنصر بل قام بدلاً من ذلك بتغيير الموضوع. إن
وزارة الخارجية الأميركية منغمسة في التفكير في فترة ما قبل الأزمة لدرجة أنها لا تستطيع استيعاب حقيقة أن الحجج قد تغيرت بشكل زلزالي".
وتابعت الصحيفة، "أعلن بلينكن أنه على الرغم من عدوانها على أوكرانيا، فإن روسيا لا تشكل أكبر تهديد للنظام الدولي القائم على القواعد، وبدلاً من ذلك أعطت هذا المكان للصين. يبدو أن واشنطن تعمدت عدم إعطاء أي اهتمام لعقود من العدوان الروسي. لقد غزت روسيا جورجيا وأوكرانيا وضمت فعليًا أجزاء من هذين البلدين. أطلقت بوحشية قواتها الجوية في
سوريا، مما أسفر عن مقتل الآلاف من المدنيين. واستجابةً لرغبة الشيشان في الاستقلال، قامت بتسوية أجزاء كبيرة من الجمهورية الروسية، بما في ذلك عاصمتها، حيث قُتل عشرات الآلاف من المدنيين في هذا الصراع. كما وأرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرق اغتيال إلى الدول الغربية لقتل أعدائه، واستخدم الأموال والهجمات الإلكترونية لتعطيل الديمقراطيات الغربية، وهدد مؤخرًا باستخدام الأسلحة النووية. هل أقدم أي بلدٍ على القيام بأعمال مشابهة لتلك؟ ومن المفارقات أن أحد الأشخاص الذين حضروا خطاب بلينكن كان السناتور ميت رومني (جمهوري عن ولاية يوتا)، الذي حذر خلال حملته الرئاسية في عام 2012 من أن روسيا تشكل أكبر تهديد منفرد للولايات المتحدة. أولئك الذين رفضوا توقعاته كانوا خاطئين، لأنهم نظروا فقط إلى قوة روسيا، وهو ما لم يكن مثيراً للإعجاب. لكن رومني أدرك بوضوح أن القوة في العالم الدولي تقاس بمزيج من القدرات والنوايا. وعلى الرغم من أن روسيا ليست عملاقًا صاعدًا، إلا أنها مصممة على تحدي وتقسيم أميركا وأوروبا وتمزيق النظام الدولي القائم على القواعد. روسيا تحت حكم بوتين هي أكبر مفسد للعالم".
ورأت الصحيفة أن "هذه الظاهرة المتمثلة في أن تصبح القوة المتراجعة هي الخطر الأكبر على السلام العالمي ليست ظاهرة غير مسبوقة. ففي عام 1914، كانت الدولة التي أشعلت فتيل الحرب العالمية الأولى هي النمسا-المجر، وهي إمبراطورية في حالة انحدار واسع، ومع ذلك فقد عقدت العزم على استخدام جيشها لتظهر للعالم أنها لا تزال مهمة ولتلقين صربيا درسا قاسيا هي التي اعتبرتها دولة ثانوية تابعة. هل يبدو الأمر مألوفاً؟ يجب أن تكون الأولوية المهيمنة لأميركا هي ضمان عدم انتصار روسيا في عدوانها على أوكرانيا. والآن، تسير الأمور في الاتجاه الخاطئ. فها هي القوات الروسية تعزز مكاسبها في شرق أوكرانيا. كما وأدى الارتفاع القياسي لأسعار النفط باستمرار الى تدفق الأموال إلى روسيا. وبدأ الأوروبيون في الحديث عن المنحدرات الخارجية. تعرض موسكو على الدول النامية صفقة: إن قاموا بدفع الغرب إلى إلغاء العقوبات، ستقدم روسيا مساعدة في تصدير كل الحبوب من أوكرانيا وروسيا وتجنب المجاعة في أجزاء كثيرة من العالم. يقول قادة أوكرانيا إن البلاد لا تزال تفتقر إلى الأسلحة والتدريب للرد بفعالية. إن أفضل استراتيجية للصين الآن هي هزيمة روسيا. قام الرئيس الصيني تشي جين بينغ برهان محفوف بالمخاطر في دعم روسيا بقوة عشية الغزو. إذا خرجت روسيا من هذا الصراع كدولة ضعيفة ومهمشة، فسيكون ذلك بمثابة ضربة خطيرة لتشي، المرتبط شخصياً بالتحالف مع بوتين. من ناحية أخرى، إذا نجا بوتين وتمكن بطريقة ما من العودة، فسوف يتعلم تشي والصين درسًا مشؤومًا: أن الغرب لا يمكنه دعم نظامه القائم على القواعد ضد هجوم مستمر".
وختمت الصحيفة، "كان معظم الأشخاص الذين يتولون المناصب العليا في إدارة بايدن من كبار المسؤولين في إدارة أوباما في عام 2014، عندما شنت روسيا أول غزو لها على أوكرانيا، وضمت شبه
جزيرة القرم وتدخلت في شرق أوكرانيا. لم يتمكنوا من عكس اتجاه عدوان موسكو أو حتى جعل بوتين يدفع ثمناً باهظاً مقابل ذلك. ربما في ذلك الوقت، رأوا أن التهديد الأكبر للنظام العالمي هو تنظيم الدولة الإسلامية، أو كانوا يركزون على "التحول" نحو آسيا، أو أنهم لم يعطوا أوكرانيا الأولوية الكافية. أما الآن فلديهم فرصة ثانية، لكن من المرجح أن تكون الأخيرة".