قفزت مدينة السويداء فوق تحدّ جديد، رجح سيناريو فوضى مشابها لما حصل في مدن مجاورة وبعيدة، ولكن من دون أن تكون قد نجت تماماً، كما هو حال كل مكان في سوريا يواجه يومياً تحديات الحرب.
وشيع مقربون من ضحايا تفجيري الجمعة الـ36 معظم شهدائهم، في جنازات متفرقة وفردية، بينهم 15 في المدينة وستة في القرى المجاورة، كما نصت الإجراءات التي فرضتها السلطات الأمنية ونصحت بها الهيئات الروحية والاجتماعية، تجنبا "لاستغلال حالة التجمع العامة" في ظل حالة "الاحتقان والحذر".
وتأخر تشييع الشيخ وحيد البلعوس ورفاقه بانتظار "فحوص الحمض النووي"، كما قال مصدر محلي لـ "السفير"، بسبب "تشتت جسده نتيجة قوة التفجير".
وبالرغم من جنوح المعارضة السورية في الخارج على اختلاف مستوياتها، إلى تصوير الحالة في السويداء ليل الجمعة وصباح السبت، باعتبارها "حالة تحرير" و "استحواذ على مؤسسات الدولة"، وصولاً إلى "إعلان الإدارة الذاتية"، إلا أن الواضح من طبيعة سير الحياة اليومية نهار السبت وصولا لليل، أن الغالبية العظمى من سكان المدينة، تفضل إبقاء الحال على ما هو عليه من استقرار وحياة طبيعية، خلافا للسيناريو المعاكس الذي يضع المدينة وأهلها في مهب ريح الحرب السورية.
وقال شهود عيان لـ "السفير" إن ليل الجمعة كان "مخيفاً"، بالرغم من "اليقين بأن الدولة ومشايخ العقل يستطيعون في النهاية احتواء الأمر". وهاجم مسلحون، قدروا بالعشرات، قالت السلطات "إنهم كأفراد معروفون بالاسم"، عدة مؤسسات حكومية، وأحرقوا سيارات خدمة عامة وخاصة، كما جرت سرقة بعض المحتويات من مؤسسات الدولة، وتحطيم تمثال للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وسط المدينة، لحق بها هجوم عند منتصف الليل على مبنى الأمن الجنائي أسفر عن إصابة ضابط ومقتل عنصر أمن، وفقا لمصادر رسمية، فيما ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، في بيان، إن ثمانية عناصر قتلوا في المواجهات مقابل ثلاثة من المهاجمين.
وقال قائد شرطة السويداء محمد سمرة إن المواجهات أمام فروع الأمن انتهت حوالي الثالثة من فجر السبت. وأعرب سمرة، في اتصال هاتفي مع قناة محلية، عن تفاؤله "بإمكانية امتصاص الفوضى الحاصلة". وقال إن مهمة الأمن كانت "حماية المقرات"، مشيراً إلى أن الطريق الدولي باتجاه دمشق بات سالكاً بعد أن أغلق يوم الجمعة.
وفي ساعة متأخرة من ليل أمس، قالت مصادر رسمية إن السلطات ألقت القبض على بعض الأفراد ممن تسببوا بحالة "الفوضى"، والهجوم على مبنى الأمن الجنائي، بينهم المدعو وافد أبو ترابي وشخصان معه. وقيل عن أبو ترابي إنه "من أصحاب السوابق". وذكرت "سانا" إن قوات الأمن اعتقلت متشددا من "جبهة النصرة" اعترف بأنه المسؤول عن التفجيرين.
ولاحقا بثت "سانا" تصريحات لرئيس اللجنة الأمنية في محافظة السويداء بأن أبي ترابي "اعترف بالمشاركة في الاعتداء على فرع الشرطة العسكرية والأمن الجنائي، ومحاولة الاعتداء على مبنى المحافظة، إضافة إلى أعمال التخريب والسرقة للممتلكات الخاصة بمدينة السويداء"، وأنه "اعترف بالمسؤولية عن التفجيرين الإرهابيين اللذين وقعا يوم الجمعة الماضي". وجرت الاعترافات وفقا للإعلام الرسمي "أمام عدد من مشايخ عقل طائفة المسلمين الموحدين وبحضور عبد الله الأطرش وعضو مجلس الشعب يحيى عامر ومدير التربية في السويداء هيثم نعيم".
واختارت السلطات بعد تجربتها المريرة في مدن أخرى على مدار السنوات السابقة، التعاطي بحذر أكبر مع أحداث السويداء، فمنحت القوى الأمنية قوات الدفاع الوطني المحلية، سيطرة أكبر على الحواجز، ومرونة أكبر في الحركة، لحماية المؤسسات الخدمية، وأخذت على عاتقها حماية المقرات العسكرية والأمنية.
وتجاوب السكان بشكل لافت مع الإجراءات، لدرجة نزول موظفي الدولة إلى مؤسساتهم السبت، وهو يوم عطلة رسمي، للتعبير عن تضامنهم مع "الاستقرار ومنع الفوضى على أقل تقدير".
وأخرت إجراءات التعرف على الضحايا، ولا سيما بوجود ستة أكياس من الأشلاء، إجراءات التشييع، والتي اتفق على ألا تجري بشكل جماعي، وفي يوم العطلة.
وتداولت وسائل إعلام مختلفة بيانا لـ "الرئاسة الروحية لطائفة المسلمين الموحدين" يدعو "أبناء الجبل الأشم للحفاظ على مؤسسات الدولة، ومنع الاعتداء عليها والتحلي بالهدوء وضبط النفس ودرء الفتنة التي أرادها أعداء الوطن"، إلا ان مصدراً مقرباً من مشايخ العقل قال لـ "السفير" إن البيان صادر باسم شيخ واحد هو حكمت الهجري، ويعود إلى الثاني من أيلول. وأشار المصدر إلى اجتماعات مستمرة في دار الشيخ راكان الأطرش بحضور ممثلين عن آل البلعوس ومشايخ آخرين وهيئات اجتماعية، للخروج ببيان موحد.
ولم يتفق المجتمعون على بيان حتى أمس، علما أن المقربين من البلعوس يرغبون في تضمينه مطالبهم وأولها الكشف عن الفاعلين.
من جهتها نفت مصادر مقربة من البلعوس إصدار أي بيان يعلن "السويداء منطقة محررة"، كانت قنوات إعلام خليجية تداولته. ونسب البيان إلى "تجمع مشايخ الكرامة"، وحمل ترويسة "رقم واحد"، معلناً المدينة "محررة" وتحت "إدارة ذاتية".
واتصل رئيس "الحزب الديموقراطي اللبناني" طلال أرسلان بالرئيس السوري بشّار الأسد، حيث قدّم التعازي بقتلى التفجير في محافظة السويداء. وأكّد "تماسك الدروز ووحدتهم في جبل العرب بوجه المؤامرة التكفيريّة التي تتعرّض لها المنطقة والعالم".
وأبلغ أرسلان الأسد أنّ "الدروز لن يحيدوا عن التمسك بمسيرته بحفظ الهويّة العربية السورية ووحدة الشعب السوري في وجه الظلم والطغيان الذي يمارسه الإرهاب التكفيري في سوريا، ولن يتوانوا عن القيام بأي واجب وطني في سبيل حفظ وحدة الدولة ومؤسساتها للحفاظ على سوريا".
(زياد حيدر - السفير)