يدرك الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أن زيارته للبنان نهاية هذا الشهر لا تندرج في سياق تفقد مستعمرة من مستعمرات بلاده، وفي المقابل لا ينتظر اللبنانيون ايضاً الأم الحنون لحلّ مشاكلهم المتراكمة وتعقيدات خلافاتهم المستحكمة، طالما أن الهوامش الممنوحة لفرنسا في الظرف الراهن تجعل من كلمتها مسموعة في ما يتعلق بلبنان وسوريا، ولكنها لا تتمتع بصفة الحسم.
المفارقة أن الرئيس الفرنسي هولاند يزور بلداً، يتميز حزبه الاشتراكي بانحيازه الشديد نحوه، لما للبنان من خصوصية في اعماق الوجدان الفرنسي. جمهورية في هذا الشرق إستقت دستورها وقوانينها وجزءاً من ثقافتها من بلاده، أضحت بواقعها الراهن شبه خاوية وتعاني من الفراغ برئاستها منذ سنتين، برلمانها مقفل، بينما حكومتها خائرة القوى تتلقى الضربات من كل الجهات وتعيش على شحنات الدعم المعنوي.
في هذا السياق، يحدد مسؤول أوروبي رفيع المستوى لـ"لبنان24" أبعاد زيارة الرئيس الفرنسي، ويضع خلاصة لها مفادها أن "لبنان خارج دائرة التجاذب الدولي، وهناك إقرار ضمني عند كل الاطراف المعنية بضرورة تحصين استقرار هذا البلد وتحييده عن الصراعات الدائرة حوله. لكن تمّ وضع معالجة أوضاعه على لائحة الإنتظار ريثما يتم ترتيب أوضاع الشرق الاوسط".
المسؤول الاوروبي يكشف عن بعض أهداف زيارة هولاند، وهي تتلخّص بالتأكيد على ثوابت حددتها الولايات المتحدة الاميركية في مرحلة سابقة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، ودفعت بملف متابعتها نحو فرنسا لكونها الأقدر بحكم علاقاتها التاريخية مع لبنان، حيث يمكن اختصارها بالتالي:
1 – استمرار حكومة تمام سلام بالامكانات المتوافرة وعدم اسقاطها كي لا يقع لبنان فريسة الفوضى الشاملة.
2- ثبات النقد اللبناني وعدم اهتزاز الوضع الإقتصادي بما في ذلك البحث مع المسؤولين اللبنانيين في سبل تفعيل الهبات والقروض الاوروبية المجمّدة في ادراج المجلس النيابي.
3- الحفاظ على المؤسسة العسكرية ودعم الجيش اللبناني وتسليحه في مواجهة خطر الإرهاب على الحدود، ولو اقتضى الامر تحريك الهبة السعودية للجيش عبر فرنسا، وتأمين اسلحة نوعية.
4- مقاربة الأزمة الرئاسية من باب القلق الأوروبي، والفاتيكاني تحديداً، على بقاء الحضور المسيحي في البلاد العربية ولبنان نموذجا فريدا في هذا الشرق.
بموازاة ذلك، يختم المسؤول الأوروبي بأن فرنسا ستحاول التعويض عن حالة الشغور الرئاسي في لبنان عبر إعطاء أبعاد إنسانية لزيارة هولاند، من خلال الإطلاع على أوضاع النازحين السوريين في لبنان، وذلك ضمن هدف مزدوج، الأول التخفيف عن كاهل لبنان العبء الثقيل لعدم قدرته على تحمّل نزوح نحو مليوني سوري، مع الإشارة الى أن الاتحاد الاوروبي وفرنسا في طليعة الجهات المانحة في ما خصّ النزوح السوري. اما الثاني فهو بروز رغبة أوروبية مستجدة لاستقبال السوريين ضمن شروط ومعايير معينة لأسباب انسانية واقتصادية.
ما ليس في حسابات فرنسا أو الجهات الأخرى والعواصم المعنية بالوضع اللبناني، هو انفجار الشارع على وقع المظاهرات والحملات المطلبية في ظل الإخفاق الحكومي الفاضح في معالجة ملفات حياتية ملحّة، بل اتباع سلوك الإنتهازية السياسية والابتزاز الرخيص وسيطرة عقلية المحاصصة في الحكم وإدارة شؤون الدولة، هذا الأمر دفع شريحة واسعة من الشعب اللبناني نحو الشارع ومن الصعب اقناعها بالانسحاب منه، بعدما ضاقت بالمواطنين سبل العيش واختنقوا بروائح النفايات المتراكمة بالشوارع كما بروائح الفساد السياسي.
("لبنان24")