سبق رئيس وزراء بريطانيا دافيد كاميرون الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بزيارة لبنان، وهي لم تدم لأكثر من ساعات، أوحى من خلالها أنها تهدف إلى تقديم المساعدة للنازحين السوريين، تماماً كما ستكون عليه زيارة الرئيس الفرنسي أواخر هذا الشهر، وإن اختلفت أساليب التعبير بين الرجلين، نظرأً إلى موقع بلديهما على خارطة الاهتمامات الدولية بأزمة المنطقة، وقد تكون بوابة مدّ النازحين السوريين في كل من لبنان والأردن المدخل الطبيعي لكل منهما ليحجزا لهما مكاناً في الصفوف الامامية، حين تنضج الحلول، ومعها مرحلة الاعمار والاستثمارات.
إلاً أن مصادر سياسية واسعة الاطلاع تقول انه على رغم هذا العنوان العريض لزيارة الامس ولزيارة أواخر ايلول، وهو مساعدة النازحين السوريين، فإن الرسالة التي حملها كاميرون أمس، وهي رسالة غير معلنة وقد أبلغها إلى المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم على هامش زيارته الخاطفة إنما رسالتهما الغير معلنة الى أركان الدولة، وهي ان عليهم "لملمة" الوضع المتأزم والعودة الى المؤسسات ريثما يتبلور حلّ نهائي للأزمة في لبنان. وهذا ما سيبلغه ايضا الرئيس الفرنسي، وإن تكن الطريقة الفرنسية تختلف عن الطريقة الانكليزية.
لكن مصدراً سياسياً رفيعاً يستنتج من تواصله مع عواصم القرار ان لكاميرون كما لهولاند، كما لسائر العواصم الغربية، هاجساً وحيداً يدفع بالبعض منهم الى زيارة لبنان، وهو القلق من نزوح مزيد من السوريين إلى بلدانهم. لذلك، يهم هؤلاء ان يشجعوا اللبنانيين على ابقاء النازحين السوريين حيث هم على مختلف الأراضي اللبنانية، وهم مستعدون لدفع ثمن هذا المطلب، وذلك بتقديم مساهمة مالية، كما فعل كاميرون. فللغرب مخاوفه مما قد تضفي اليه هذه الموجة من النازحين في بعض العواصم الأوروبية والجهود قائمة لتفادي اي أزمة في هذا الاتجاه.
أما المصادر السياسية المطلعة فتصر على ان الوضع اللبناني الداخلي مدرج على جدول أعمال زوار بيروت. وخلافاً للانطباع السائد في بعض الأوساط السياسية فإن إمكانية التوصل الى اتفاق ما حول هوية الرئيس اللبناني العتيد في فترة زمنية غير بعيدة، لا تبدو منسجمة مع ما يخطط له في الخارج، وإن كان بعض اللبنانيين لا يزالون يأملون في حلحلة ما قبل حلحلة الملف السوري. إلاّ أن هذه المصادر تجزم بأن الملفين السوري واللبناني مرتبطان الى أقصى الحدود، وأن لا حلّ نهائياً في لبنان بمعزل عن أي حلّ في سوريا، خصوصاً ان لبنان "هو بلد النتائج وليس بلد الاسباب"، وبالتالي فإن التطرق الى الملف اللبناني لن يكون الا من باب ما يرتّبه عليه الحلّ في سوريا.
ومن هذا المنطلق، فإن رسالة المجتمع الدولي إلى لبنان واضحة: على أهل الحكم ترتيب الأمور داخلياً، فهم المسؤولون أولاً وآخراً عن الهوة التي وقعت بينهم وبين المجتمع المدني، وتقع عليهم مباشرة مسؤولية رأب الصدع من خلال تفعيل العمل الحكومي والمؤسساتي، والعمل على بتّ الامور التي يتم التوافق عليها وتعليق سواها من الأمور الخلافية في هذه المرحلة.
والجدير التوقف عنده هو ان الكلام عن ربط المسارين السوري واللبناني يعيد تقدم فرضية الرئيس القوي في لبنان على أولوية نظرية انتخاب رئيس توافقي، اذ ان اي حلّ في سوريا سيكون بمثابة مكسب إما لإيران إذا بقي الأسد رئيساً ولو تعدّلت صلاحياته، وإما للمملكة العربية السعودية ان رحل، مما قد يعطي الأفضلية في لبنان للجهة التي ستخسر في المعادلة السورية. ومن هذا المنطلق، تكون لـ 8 او 14 آذار كلمة الحسم في الملف الرئاسي اللبناني، مما يرجح فرضية ان يأتي احد الفريقين بوجه سياسي قوي من بين صفوفهم.
أن هذا النوع من المحاصصة هو النهج السائد في المنطقة، يكرسه منطق ما بعد الاتفاق النووي. فالواقع السياسي يشير الى تقدم النفوذ السعودي على نفوذ ايران في اليمن مقابل تراجعه في العراق لمصلحة طهران.
("لبنان 24")