لم يأتِ قانون العفو العام الذي أقرّه مجلس النواب يوم الأربعاء ليطوي بصورة شاملة ملف اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بل أعاد ترتيب هذا الملف ضمن مقاربة قانونية تميّز بين المدنيين وبين من ارتبطوا بالعمل العسكري أو الأمني مع إسرائيل.
فالصيغة الجديدة أعادت إدخال القانون الرقم 194 الصادر في 18 تشرين الثاني 2011، والمتعلق بمعالجة أوضاع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل، ضمن قانون العفو العام، إلا أن ذلك لا يعني أن جميع المبعدين أصبحوا مشمولين بالعفو، كما لا يعني أن من يحمل الجنسية الإسرائيلية يستطيع العودة إلى لبنان والاحتفاظ بها حكماً.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: ما الذي يسقطه قانون العفو عن المبعدين إلى إسرائيل؟ هل العقوبة فقط، أم كامل الملاحقة والآثار القانونية؟
يقول الخبير الدستوري والقانوني الدكتور عادل يمين إن المادة الأولى من قانون العفو العام المُقرّ تمنح عفواً عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، ويستفيد منه جميع من ساهموا في ارتكابها، سواء بصفتهم فاعلين أو شركاء أو متدخلين أو محرّضين أو مخبّئين، وفق التعريفات الواردة في قانون العقوبات. ويؤدي العفو العام إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها، كما تسقط كل الملاحقات والأحكام والقرارات، سواء كانت وجاهية أو غيابية أو بمثابة الوجاهية.
لكن العفو العام يشمل، بحسب يمين، المبعدين المدنيين الذين لم ينخرطوا في ميليشيا جيش لبنان الجنوبي ولم يرتكبوا جرائم الإرهاب أو القتل أو التجسس أو الخيانة أو الجرائم العسكرية. أما المبعدون الذين لم يشملهم العفو العام، فيمكنهم، إذا عادوا إلى لبنان بعد بدء سريان القانون، الاستفادة من تخفيض العقوبات بحقهم، وفق أحكام قانون العفو العام، في حال توافرت الشروط المحددة فيه.
ويضيف يمين أن المادة الثانية من قانون العفو العام المُقرّ استثنت مجموعة من الجرائم، ومنها:
القتل عمداً أو قصداً، والجرائم الواردة في قانون الإرهاب الصادر بتاريخ 11 كانون الثاني 1958، بحق المدنيين أو العسكريين وجميع عناصر القوى الأمنية.
الجرائم العسكرية المنصوص عليها في الباب الثاني من الكتاب الثالث والمادة 105 من قانون القضاء العسكري الرقم 24 تاريخ 13 نيسان 1968.
جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصلات غير المشروعة بالعدو، باستثناء المشمولين بالفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون الرقم 194 تاريخ 18 تشرين الثاني 2011، الذين يعتبرون مستفيدين حكماً من قانون العفو العام الحالي. ويشمل ذلك المواطنين اللبنانيين الذين لم ينضووا عسكرياً وأمنياً، بمن فيهم أفراد عائلات المواطنين الذين كانوا منضوين في ميليشيا جيش لبنان الجنوبي وفرّوا إلى الأراضي المحتلة، من زوجات أو أزواج وأولاد، والذين لجأوا إلى الأراضي المحتلة إثر تحرير الشريط الحدودي في 25 أيار 2000.
لكن هل يستطيع من لجأ الى اسرائيل والذي حصل على الجنسية الإسرائيلية استعادة الجنسية اللبنانية؟ وهل يسمح القانون بازدواج الجنسية اللبنانية والإسرائيلية؟
يقول يمين إن المادة الأولى من قانون الجنسية اللبناني تنص على أن اللبناني يفقد جنسيته إذا اكتسب جنسية أجنبية بعد الحصول على ترخيص بذلك بمرسوم من رئيس الدولة. أما إذا اكتسب الجنسية الأجنبية من دون ترخيص، فلا يفقد جنسيته اللبنانية تلقائياً، بل يجب أن يصدر مرسوم بفقدانها.
وتوضح استشارة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل الرقم 81/2005 أن فقدان الجنسية اللبنانية بسبب اكتساب الجنسية الإسرائيلية يتطلب عملاً إرادياً، أي طلب واكتساب الجنسية الإسرائيلية بإرادة الشخص، كما يجب أن يصدر مرسوم بفقدان الجنسية اللبنانية بناءً على اقتراح وزير الداخلية.
أما ازدواج الجنسية اللبنانية والإسرائيلية، فيضع الشخص، بحسب يمين، تحت طائلة قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955.
ويضيف أن من يحمل الجنسيتين اللبنانية والإسرائيلية، ولم يصدر بحقه مرسوم بفقدان الجنسية اللبنانية، يبقى لبنانياً من الناحية القانونية، لكنه يخضع لأحكام قانون مقاطعة إسرائيل، ويمكن أن يتعرض للملاحقة إذا قام بأي تعامل مع إسرائيل أو حاملي جنسيتها. وعليه، فإن الاحتفاظ بالجنسية الإسرائيلية يطرح إشكالية قانونية أمام العودة إلى لبنان، في ظل القوانين اللبنانية التي تحظر دخول حاملي الجنسية الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية وتحظر التعامل مع إسرائيل أو الإسرائيليين،أما من يحمل الجنسية الإسرائيلية فقط ويريد اكتساب الجنسية اللبنانية، فيرى يمين أن طلبه يواجه عوائق قانونية وأمنية مرتبطة بقانون مقاطعة إسرائيل.
ماذا عن أولاد المبعدين وعائلاتهم؟
في ما يتعلق بأولاد المبعدين وعائلاتهم، يشير يمين إلى أنه إذا كان الأب لبنانياً وقت ولادة الأولاد، فإنهم يعتبرون لبنانيين حكماً بموجب المادة الأولى من القرار الرقم 15 المتعلق بالجنسية اللبنانية، الصادر في 19 كانون الثاني 1925.
وبالتالي، إذا وُلد الأولاد في إسرائيل من أب لبناني، فإنهم يكونون لبنانيين حكماً، ما لم يكونوا قد فقدوا الجنسية اللبنانية وفق الإجراءات القانونية، أي بمرسوم بفقدان الجنسية، بحسب المادة الأولى من قانون الجنسية اللبنانية الصادر في 31 كانون الثاني 1946.
وعليه، يبقى قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955 سارياً، كما يقول يمين، ويمنع أي تعامل مع إسرائيل أو حاملي جنسيتها ويعاقب المخالفين.
فالواقع أن العفو العام يعالج الجرائم والأفعال السابقة الصادرة عن الأشخاص، لكنه لا يشرّع التعامل الاقتصادي أو التجاري أو أي تعامل آخر مع إسرائيل أو الإسرائيليين، ولا يشرّع استخدام الوثائق الإسرائيلية في المستقبل. وبالتالي، يتعين، وفق قراءة يمين، على المستفيدين من العفو قطع أي صلة رسمية أو تجارية أو توثيقية مع إسرائيل و/أو الإسرائيليين بمجرد العودة أو تسوية أوضاعهم.
وأمام ما تقدم، يطرح السؤال: هل يتيح العفو العودة إلى لبنان تلقائياً، أم أن هناك إجراءات أو قيوداً قانونية أخرى ينبغي تجاوزها؟ وهل يحتاج ملف المبعدين، رغم إقرار العفو، إلى قانون أو تفسير خاص لمعالجة مسائل الجنسية والعودة وأوضاع أفراد العائلات؟
إن قانون العفو العام لم يتناول إجراءات محددة في هذا الخصوص، لكن من البديهي، كما يؤكد يمين، اتباع بعض التدابير، أبرزها:
التدقيق الأمني والقضائي: إجراء مسح عبر مديرية الأمن العام ومخابرات الجيش للتحقق من عدم تورط الشخص في جرائم غير مشمولة بالعفو، مثل جرائم القتل العمد أو التعذيب أو التجسس المستمر.
التنسيق عبر طرف ثالث: تتم عملية العبور والترتيبات اللوجستية، عند الاقتضاء، بالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أو الصليب الأحمر الدولي عبر المعابر الحدودية.
تسليم الوثائق الإسرائيلية: التزام العائدين بتسليم الوثائق الهوياتية وجوازات السفر الصادرة عن السلطات الإسرائيلية إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية.