عندما يقول رئيس مجلس النواب نبيه بري ان "في البلد نفايات وفيه ايضاً مزبلة سياسية" ففي ذلك توصيف دقيق للمشهدية السائدة في البلاد حالياً على جبهتي أزمة النفايات والازمة السياسية.
فأزمة النفايات المتفاقمة هي نتاج الازمة السياسية، تسببت بها المزابل السياسية التي نشأت بفعل نزاع على تقاسم المعامل والمطامر بين بعض القوى السياسية، وذلك بعدما اكتشف الجميع متأخرين أن النفايات هي "منجم ذهب اسود" تتصرف به شركة "سوكلين" ووليدتها شركة "سوكومي" القابضتان على هذا القطاع بلا حسيب ولا رقيب، بحيث أنها تغرف مئات الملايين من الدولارات سنوياً من المال العام مقابل رفع النفايات، فيما تتصرف بما تحتويه هذه النفايات من مكونات وتحقق منه مبالغ مالية تفوق اضعافاً مضاعفة مما تأخذه من أجر من الدولة، الى درجة أن البعض من اهل الاختصاص في هذا القطاع يقولون ان على "سوكلين" ان تدفع للدولة ثمن النفايات بدلاً من أن تأخذ منها.
ويقول نواب وبعض المتخصصين لـ"
لبنان24" أن ازمة النفايات على نتانتها، كشفت ان "البلد بمزابل سياسية كثيرة" (على وزن اسم الفيلم المصري "بيت بمنازل كثيرة") وليس بمزبلة سياسية واحدة كما قال الرئيس نبيه بري، ولكل مزبلة ديكها الصيّاح، يقف عليها ويتبختر و"يزود" عنها ويحميها من "الطامعين"! والغريب العجيب ان الجميع "حاروا وداروا" وعادوا الى "سوكلين" وكأنها "القدر" المحتوم ولا شركة سواها قادرة على رفع "حمل" النفايات متناسين كل الشكوى والتذمر منها ومن الاعباء المالية الكبيرة التي ترهق بها كاهل الدولة.
ويرى هؤلاء النواب والمتخصصون ان ازمة النفايات كشفت فعلاً المزابل السياسية التي تتحكم بمصير البلاد والعباد، وهي مزابل تحتاج الى معالجة حتى تتسنى ازالة النفايات من الشوارع والطرق الى معامل المعالجة والمطامر، فمثلما هو مطلوب تأمين المطامر الصحية للنفايات مطلوب ايضا تأمين "المطامر" اللازمة للنفايات السياسية التي تسببت بها نتيجة النزاع بين القيمين عليها على تقاسم "الجبنة" التي يستأثر بها فريق واحد هو المالك الفعلي لـ"سوكلين"، الذي كان إكتشف باكرا وقبل الجميع "سر" النفايات و"الذهب الاسود" الذي تختزنه ولم يخطر في بال أحد، خصوصا ان النفايات هي في نظر الكثيرين وفي المطلق "قرافة"، وأن من يزيلها يقدم "خدمة جليلة" يستحق عليها "الاجر والثواب" مهما كان مكلفاً. الى ان تبين ولو متأخراً ان في الامر "سرقة موصوفة" يغطيها منظر أكوام النفايات وروائحها الكريهة.
على أن ما تواجهه الخطة التي اقرها مجلس الوزراء أخيرا لمعالجة أزمة النفايات كشف اكثر فأكثر المزابل السياسية الكثيرة والمتكوّمة في البلاد، فبعض الافرقاء السياسيين الذين وافقوا على هذه الخطة في مجلس الوزراء بانت مزابلهم السياسية حين حركوا جمهورهم ضد المطامر، التي تقرر اقامتها في البقاع والشمال وجبل لبنان، وهذا ان دل على شيء فانما يدل على انهم لم تعجبهم "قسمة الجبنة" ضمناً، او ان مبلغ المئة مليون دولار الذي تقرر لكل من عكار والبقاع يراد تعميمه على مناطق اخرى او زيادته أكثر لكي تصبح "التحويشة حرزانة"، وللوصول الى هذا الهدف حوّل بعض ديوك المزابل السياسية انفسهم "انصاراً وحماة" للبيئة، وها هم يقفون على مزابلهم مكثرين من الصياح "دفاعاً عن بيئة يهتكونها في الليل والنهار"، الى درجة ان بعض هؤلاء الديكة اندسوا بين جماعة الحراك الشعبي في وسط بيروت وراحوا يصيحون ضد القرار الحكومي الذي صدر وبذور التشكيك ظاهرة فيه، خصوصا انه يعيد شركة "سوكلين" الى رفع النفايات ومعالجتها لفترة موقتة، ولكم الموقت بعد التجربة يتحول دائما وأمراً واقعاً في لبنان.
ويخلص هؤلاء النواب والمتخصصون الى التأكيد ان الاعتراض على المطامر أمر غير واقعي ولا منطقي، فهل يراد رمي النفايات في البحر ام نقلها الى الخارج؟ ويتوقعون ان تبادر السلطة الى كبح هذا الاعتراض بتكليف القوى العسكرية والامنية بحماية تنفيذ قرار نقل النفايات الى المطامر، وهو ما لمحت اليه مراجع مسؤولة في هذا المجال.