تُعيد الأساطير اليونانية القديمة النرجسية إلى "narcisse"، الشاب الذي كان يحب نفسه كثيرًا، وعندما نظر في إحدى البحيرات إلى وجهه المنعكس في المياه، بدأت الأخيرة بالتموج، الأمر الذي أظهر تجاعيد في وجهه، فبقي يقترب من المياه حتى سقط فيها ولقي حتفه، ونبتت مكان سقوطه زهرة سُميّت "النرجس" نسبةً له.
ومنذ ذلك الحين، تكاثرت الدراسات عن حب الذات والتعالي واستغلال الناس والسخرية منهم، والإستفادة من مزاياهم لتحقيق المصالح الشخصية وإعتلاء المناصب التي تُرضي "الأنا". وفي هذا الصدد، أبرزت صحيفة "بيزنيس إنسايدر" أهم علامات النرجسية وصفات الشخص الذي يحاول السيطرة على الآخرين دائمًا، والذي يصبو ليكون الأفضل والأكثر بروزًا وفعالية.
ونقلت الصحيفة عن عدد من علماء النفس الميزات الأساسية للسلوك النرجسي والتي تمثّلت بـ15 ميزة، كاشفةً عن أنّ معظم النرجسيين هم من الشباب أو الذكور، فبعد أكثر من 34 ألف مقابلة شخصية، وجد عالم النفس فريديريك ستينسون أن الرجال ميّالون إلى أن يكونوا نرجسيين أكثر من النساء، وتكون النرجسية في أعلى مستوياتها خلال فترة المراهقة وتبدأ بالإنخفاض مع تقدم العمر.
ولفتت الصحيفة إلى أنّ العلامة الأولى التي تؤكّد أنّ الشخص نرجسي هي الإستمتاع بقيادة الآخرين وإملاء الفروض عليهم وتحديد المهام المسندة إليهم، فالنرجسي يحب المناصب العليا التي تمكنه من السيطرة على الآخرين. أمّا الصفة الثانية فهي أنّ النرجسي يكون "فنانًا" في عمله، ويستطيع الترفيه عن ذاته وإشباع حاجياته. وأشارت الصحيفة إلى أنّ النرجسي يبتعد عن إظهار العواطف ويتفاداها، حتى إلى المقربين منه، بحسب عالم النفس في جامعة هارفرد "كريغ مالكين" الذي يقول إنّ "العاطفة تعدّ تحديًا لاستقلالية وكمال النرجسي، فإنّ إظهار العاطفة سيؤدي إلى تفاعل شخص آخر معه، لذلك يميل النرجسي إلى تغيير المحادثة على الفور عند انجرارها إلى أي أمر يُمكن أن يدفعه إلى التعبير عما في داخله".
كذلك يسعى النرجسيون للظهور بشكل أنيق وعصري وأفضل من الآخرين، بحسب دراسة قادتها سيمين فازير، أخصائية في علم النفس في جامعة واشنطن. أمّا العالمين نيكولاس هولتزمان ومايكل ستورب من الجامعة عينها فوجدا أنّ النرجسيين يكونون مقنعين أكثر من نظرائهم، لكنّهم يحبون إدانة الآخرين.
من جهتها، وجدت الأخصائية في علم النفس "أنيتا فنجلستي" من جامعة تكساس أن النرجسيين يحبذون أن تتمحور المحادثات حولهم ويستخدمون مصطلحات جذابة في التعبير، لا ينصتون إلى الآخرين بل ينتظرون دورهم للكلام، ويستخدمون حركات اليدين بشكل مبالغ به، يتحدثون بنبرة عالية، ولا يعيرون انتباهًا لكلام الآخرين.
وعن علاقاتهم الشخصية، رأى العالمان جوشوا فوستير من جامعة جنوب ألاباما وكيث كامبيل من جامعة جورجيا أن النرجسيين يميلون للخيانة لدى التفكير ولو مرة واحدة أن شريكهم ارتكب أمرًا ما، وغالبًا ما يرتكب النرجسيون الخيانات، كما أنهم يحاولون دفع الآخرين للتورط بأعمال جنسية من دون أن يشركوا أنفسهم بها. كما أنّ فترة اكتشاف الصفات الأنانية لدى النرجسي محددة بأربعة أشهر، بحسب كامبل الذي أكد أنّ هذه المدة كافية ليكتشف الشخص الآخر أنّ الثاني نرجسي.
وفي المجتمع، يسعى النرجسيون نحو الكمال، ويعتقدون أنّهم في مرتبة أعلى من البقية، وعندما يرون شخصًا مميزًا غالبا ما يحدون من نجاحه. كما يسعون للحد من قدرات الآخرين وإحباطهم والتقليل من عزيمتهم، ويقول عالم النفس في جامعة جوهان غوتنبيرغ الألمانية، ميتيا باك، إنّ النرجسيين يسعون للحصول على الإعجاب، لكنهم يفتقدون إعجاب البعض مع مرور الزمن فيحاولون إيجاد علاقات بديلة دائمًا.
وفيما خصّ الأهل، إستند التقرير الذي نشرته الصحيفة إلى ما شرحه العالم سيغموند فرويد، بأنّ نبذ الأهل للأطفال فيما يريد هؤلاء الحصول على الإعجاب، على صلة وطيدة بالنرجسية عندما يكبرون ويبدأون بالبحث عن الأنا.
إلى ذلك، يختار النرجسيون أصدقاءهم بهدف الإستفادة منهم والتقدم والبروز، لكنّ النساء يختلفن عن الرجال بطريقة انتقاء الأصدقاء، فيخترن رجالاً من فئات إجتماعية عالية ومرموقة، في سعي دائم للبقاء في موقع التحكم والسيطرة.
وختم التقرير بأنّ النرجسي الذي لا يحقق شعور العظمة فإنه يميل إلى الإنطواء على نفسه، وتبلغ حساسيته ذروتها، ويصبح في حال الدفاع عن النفس ويزداد لديه الشعور بالقلق. ويتحدث العلماء عن وجهين للنرجسية، الأول يتمثل بعدوانية مفرطة، أمّا الوجه الثاني فهو معاكس ويتمثل بالقلق والحساسية.
(
businessinsider - لبنان 24)