في ظل التوتير المتصاعد للخلافات المذهبية بين السعودية وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها، من جهة ثانية، قررت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اعتبار "حزب الله" بقادته وفصائله والتنظيمات التابعة لها والمنبثقة عنه "منظمة ارهابية".
كما أعلن وزراء الداخلية العرب أنّ "حزب الله" جماعة إرهابية واتهموه بزعزعة الاستقرار في المنطقة العربية بينما تحفظ العراق والجزائر على ذلك.
أما ردود الفعل من أبرز المعنيين بهذين القرارين، فكانت على الشكل التالي:
1- تحفظ وزير الداخلية نهاد المشنوق على فقرة تضمنها "إعلان تونس" الصادر عن وزراء الداخلية العرب وصفت "حزب الله" بأنه "إرهابي"، وذلك "صوناً لما تبقى من مؤسسات دستورية في البلد". (وليس لقناعته بعدم الصوابية).
2- وصفت "كتلة الوفاء للمقاومة"، المعنية الأولى، القرار الصادر عن "مجلس التعاون الخليجي" الذي يصنف "حزب الله" إرهابيًا بـ"القرار الطائش والعدواني المُدان"، مُحمّلة "النظام السعودي مسؤولية صدوره وتبعاته، وهو يتلاقى في شكله ومضمونه مع توصيف العدو الاسرائيلي للحزب". ونددت الكتلة بـ"بيان مجلس وزراء الداخلية العرب حول وصف حزب الله بأنه إرهابي".
3- قال الرئيس سعد الحريري إنه يريد الإبقاء على الحوار مع حزب الله. غير أنه عبر مجددا عن اعتقاده بأن مقاتلي الحزب في سوريا متورطين في أعمال إرهابية في اليمن وسوريا.
الملاحظ أن هذه الردود الأفعال تعبر عن "إنعكاس شرطي"، أو كما عبر عنه العالم الروسي أو السوفياتي الشهير "Ivan PAVLOV" الحائز على جائزة نوبل للفيزيولوجيا، بـ"réflexe pavlovien ou conditionné، لما قام به الإتحاد الخليجي ومجلس وزراء الداخلية العرب، أكثر منه "فعلاً سياسياً"، (acte politique). فجماعة "المستقبل" تؤيد أوتوماتيكياً ما يقرره المجلس الخليجي، في نفس الوقت الذي يعارضه "حزب الله".
إذا وضعنا هذه القرارات في إطارها الصحيح، نرى بأنه يمكن أن تحمل مدلولات خطيرة جداً تتطلب النظر إليها ببصيرة، وتتطلب بالتالي الرد عليها بإجراءات تنسجم مع دلالاتها ومع خطورة المرحلة.
المشهد الدولي
بعد الإنتصار على الإحتلال السوفياتي لأفغانستان، والذي شاركت فيه "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن، انقلبت هذه الأخيرة على تبعيتها لأميركا، واعتبرت أنه يجب محاربة أميركا في أي مكان في العالم. وفي أيلول 2011 اتُهمت القاعدة بتفجيرات أميركا، وأهمها برجي نيويورك، وكانت نتيجة هذا العمل إعلان الإدارة الأميركية حرباً لا هوادة فيها على المنظمات الجهادية الإسلامية. وكان فاتحتها إحتلال أفغانستان وإسقاط حكومة "طالبان" وتنصيب حكم عميل للإدارة الأميركية. كما وأن هذه الأخيرة قد لاحقت العناصر الجهادية في الصومال والعراق وسوريا وخاصة في اليمن.
بعد احتلال العراق، ومساعدة المجموعات العراقية التي تأسست في إيران للغزو الأميركي، أخذ الجهاد الإسلامي طابعاً آخر، وذلك بمهاجمته للتجمعات الشيعية بحجة مساعدتها للإحتلال، بالإضافة إلى قتال قوات الغزو الأميركي والبريطاني.
وتزامن ما اصطُلح على تسميته بـ"الربيع العربي"، مع المفاوضات الإيرانية مع الدول الكبرى "5+ألمانيا" من أجل إيجاد الحلول للملف النووي الإيراني. هذه المفاوضات التي اضطُرت لها إيران بسبب العقوبات التي أثرت سلباً على معيشة كافة الشعب الإيراني، وكانت الغاية الإيرانية الأولى هو رفع هذه العقوبات وتنشيط الإقتصاد الإيراني المنهار.
نجحت هذه المفاوضات بعد أن مارست أميركا وإيران شراكة في الملف العراقي وتغيير الأولويات الإيرانية بما يتوافق مع الإستراتيجية الأميركية في منطقتنا. فقد أعلن المرشد الإيراني في أيار 2013 أن العدو الأول لإيران هم التكفيريون. وأن هؤلاء من يجب محاربتهم. و"هؤلاء" هم من أعلنت الحرب عليهم الإدارة الأمريكية منذ زمن بعيد. أما شعارات "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل" فقد أصبحت للإستهلاك فقط.
أثبتت إيران مصداقيتها مع الولايات المتحدة في العراق وفي سوريا، ووصلت مفاوضات الملف النووي إلى نهايته السعيدة برفع العقوبات الدولية عن إيران.
المشهد الإقليمي
أدت الحروب الأهلية القائمة في سوريا والعراق واليمن إلى تدخل معظم دول الإقليم بالإضافة إلى المجتمع الدولي بقيادة أميركا وأخيراً روسيا التي باشرت حربها في 30 من أيلول الماضي. حالياً، هناك اتفاق بين روسيا والإدارة الأميركية على وقف العمليات القتالية في سوريا وبدء مفاوضات في التاسع من الشهر الحالي بين بعض الأطراف السورية المتقاتلة وبإشراف دولي.
الوقائع الحاكمة للمشهد العام
الإدارة الأميركية تريد مقاتلة "داعش" و"النصرة" وجميع المتطرفين من دون تحديد هوية هؤلاء. المنظمات المصنفة إرهابية أميركياً هي "الدولة الإسلامية"، "النصرة" و"حزب الله". ولكنها تتعامل مع كل طرف تبعاً لما تراه مفيداً بالنسبة لسياستها. فهي تغض الطرف عن قتال "حزب الله" في سوريا، ولكنها تحاصره مالياً من أجل عدم السماح له بترجمة أو تفعيل وتشريع دوره لبنانياً نتيجة توسع دوره الإقليمي. ويكون بالتالي محاصراً سياسياً. ولا تمانع بإنهاء دوره العسكري لأنه انتصر على العدو الصهيوني في حربين متتاليتين.
روسيا تتحالف مع إيران وحزب الله في سوريا، في نفس الوقت التي تؤمن للعدو الصهيوني الأجواء المثالية للإعتداء على حزب الله وحلفائه. أو بصيغة أخرى، إن تحالف روسيا مع هذه الأطراف مرتبط بالضمانات المقدمة من الطرف الروسي للكيان الصهيوني بعدم "إعتداء" إيران أو حزب الله على هذا الكيان. وهذا هي الترجمة العملية لتغيير استراتيجية إيران من العداء لأميركا والكيان الصهيوني إلى العداء لـ"التكفيريين". وفي خطابه الأخير قال سماحة الأمين العام أن "مظلومية" الشعب اليمني هي أكبر من مظلومية الشعب الفلسطيني. وهذا تفسيره أن التناقض الرئيسي لأمتنا هو مع السعودية وليس مع الكيان الصهيوني. وهذا ما أعلنته إيران منذ أيار 2013.
هذه الإعلانات لا تغير قيد أنملة من عداء الكيان الصهيوني للحزب، ولكن تغيير اتجاه التناقضات يعطي دلالات أخرى.
عندما تكون دول المحور المتحالف مع أميركا على تفاهم مع الكيان الصهيوني، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. وعندما تكون الدول المتحالفة مع روسيا على تفاهم (عدم اعتداء) مع هذا الكيان بشكل غير مباشر، ألا يعني أن هذا الكيان قد أصبح كياناً طبيعياً في المنطقة؟ أو بصيغة أخرى، ألا يصبح مشروعاً إقامة تفاهمات مشتركة على سياسات تخدم الأطراف المتحالفة في المنطقة؟ وهل هناك إعطاء شرعية أكبر من خوض معركة مشتركة من أجل القضاء على عدو مشترك؟
"حزب الله" أعلن الحرب على السعودية، والسعودية بدورها أعلنت حربها على الحزب من ضمن تحالف واسع. والكيان الصهيوني عدو تاريخي للحزب. هذا الكلام ينسجم مع ما تقوم به الدول الكبرى من إعادة تنظيم المنطقة تبعاً لمبدأ كيري-لافروف، بدلاً من سايكس-بيكو، وذلك بجعل لبنان بجيش شرعي واحد وليس بجيشين.
إن التغطية السياسية التي يؤمنها القرار الخليجي والقرار العربي باعتبار حزب الله منظمة إرهابية يسمح لنا بالتفكير بهذا المنحى. أضف إلى أن عدواناً على لبنان بحجة القضاء على منظمة إرهابية من دون تجريم بيئتها الحاضنة يمكن أن يؤمن تغطية دولية لهذا العدوان. هذا ما توحي به ملاحظة النائب ياسين جابر: "الوفد النيابي اللبناني الذي زار واشنطن برئاسته، في النصف الثاني من شباط المنصرم، لمس تقبلاً أميركياً للأمر الواقع المتمثل بانخراط "حزب الله" في المعركة ضد التنظيمات الإرهابية على أرض ســوريا." أي على أرض سوريا، الحزب معاد للإرهاب ولكنه إرهابي على أرض لبنان. لذلك لا تناقض أميركياً من الحرب على الحزب في لبنان وإعطاء الحرية له في سوريا.
الوقائع توحي بأن شعار المرحلة القادمة هو تحويل حزب الله إلى حزب مدني من غير سلاح، يمارس السياسة في لبنان بالطريقة التقليدية التي تعودتها الطبقة السياسية اللبنانية.
(حسن ملاط - مركز الفيحاء)