لم تخرج الاطلالة الإعلامية التي قدمها الرئيس سعد الحريري، عن سياق حركته الداخلية مذ وطأت قدماه مطار رفيق الحريري الدولي. فهو منذ الرابع عشر من شباط الماضي يحصر استراتيجيته الرئاسية بشقين، لا ثالث لهما: التمسك بترشيح سليمان فرنجية حتى لو لا يزال دون انتخابه عقبات عدة، والعمل على تحقيق خرق في النصاب القانوني لجهة السعي لإحضار 86 نائباً الى البرلمان لافتتاح الجلسة المنتظرة منذ سنتين.
هكذا، يصرّ الرجل على حصر اهتمامه في الشأن الرئاسي بهاتين المسألتين، فيعود للتأكيد أنه لا مجال للعودة الى الوراء، أي الى المربع البرتقالي لتبني ترشيح العماد ميشال عون واستطراداً انتخابه رئيساً حتى في ظلّ التعقيدات التي تحول دون وصول القطب الزغرتاوي الى بعبدا. ويعمل لذلك جاهداً من خلال اسقاط حاجز النصاب القانوني، الذي يعتقد أنّ بامكانه نسفه لتحريك المياه الراكدة، بواسطة قطبة مخفية قد تسمح له بخلط قوى 8 و14 آذار من خلال ترئيس سليمان فرنجية.
من هذا المنطلق، بدا الحريري منسجماً مع أدائه خلال المقابلة التلفزيونية ولم يشذّ عن هاتين القاعدتين. ولكن في المقابل، يحلو لبعض المطلعين تسجيل الملاحظات الآتية على كلامه:
- أظهر الرجل أنه "تصالحي" لا سيما في مقاربته مع "حزب الله" على المستوى الداخلي وليس الخارجي طبعاً، من دون أن يعني ذلك أنّه زاح عن مساره، لكنه تقصّد توجيه رسائل تهدئة داخلية وتحديداً في العلاقة مع الضاحية الجنوبية، حيث يُنتظر أن يرد "الحزب" له تحية التهدئة. كما أظهر هذه السمة التصالحية في علاقته مع المكونات السنية استكمالاً لما بدأه منذ فترة.
- فشل الرجل في اقناع مستمعيه من مؤيدين وخصوم للأسباب التي دفعته الى تبني تشريح زعيم "تيار المردة" ورفض بالمقابل ترشيح رئيس "تكتل التغيير والاصلاح"، فبدا خجولاً في طرحه أو بالأحرى غير متمكن منه.
- ما هي ردة فعل السعودية تجاه خطاب الحريري "التهدوي" مع "حزب الله" في ضوء التوتر الاقليمي الحاصل والحملة التي تشنّها الرياض على الضاحية الجنوبية وناسها، حيث يرى المطلعون أنّ المسؤولين السعوديين قد لا يهضموا بسهولة هذا الجو، مع العلم أنّ هذه الليونة تساهم في تهدئة الوضع الداخلي، غير أنّ حسابات القيادة السعودية قد تكون مختلفة تماماً.
- إصرار الرئيس الحريري على أنّ ملىء الشغور في الرئاسة قد يحصل خلال الأسابيع القليلة المقبلة، حتى أنه ضرب موعداً محدداً وهو شهر نيسان المقبل، مع العلم أن المؤشرات السياسية الدقيقة تستبعد حصول أي خرق في الملف الرئاسي خلال المرحلة المقبلة.
إذ يسأل المطلعون أنه طالما أنّ الأجواء ضبابية، لا بل الأفق مسدود أمام الرئاسة اللبنانية، فكيف يمكن للرئيس الحريري أن يخاطر ويتجرأ في تحديد مواعيد ثابتة لهذا الأمر؟
(خاص "
لبنان 24")