"لم يكن الرئيس بشار الأسد عدونا يوماً، لكنه ارتمى كثيراً في أحضان إيران، هذه مشكلتنا معه حتى من قبل الحرب. لا مشكلة للكثير من دولنا الخليجية مع بقائه إذا ابتعد عن طهران وأحدث تغييرات في السلطة لإشراك المعارضة". هكذا يتحدث مسؤول خليجي بعد 5 سنوات على الحرب المدمرة في سوريا. إيران هي المشكلة الخليجية الأولى، لكن السعودية التي تقود حملة مواجهتها خليجياً وعربياً وإسلامياً، تطرح هي الأخرى علامات استفهام وقلق عند جيرانها الخليجيين حول وضعيها الداخلي والخارجي، تماماً كما أن ضبابية الانتخابات الأميركية، وعدم رغبة واشنطن في إنهاء الصراع السوري، كلها مؤشرات تزيد في سوداوية التحليل الخليجي للمنطقة.
زيارة الخليج هذه الأيام تكتسب أهمية خاصة. تبدو هذه المنطقة من الوطن العربي زاخرة بالحيوية والقلق. يشعر الخليجيون أنهم في ذروة التحدي مع إيران، لكن حرائق المنطقة وقيادة السعودية لمرحلة المواجهة تفرض على العقلاء بينهم قراءة متأنية للمصالح وسط تراجع اقتصادي وارتفاع لافت للأسعار. على مذبح هذه المصالح، كان استياؤهم الكبير من "التضحية" التي قدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما لإيران على حساب الخليج. هم يتساءلون، حتى هذه اللحظة: ما هو المدى الذي وصلت إليه تلك العلاقات الإيرانية الأميركية؟ هل تستمر مع تغيير الرئيس الأميركي؟ لماذا يزداد "التمدد" الإيراني في المنطقة منذ الاتفاق النووي؟ وهل صارت إيران "ضمن المنظومة الدولية للحلول" بعد أن كانت بنظر الغرب هي المشكلة؟
فما هو مختصر ما يسمعه زائر الخليج هذه الأيام؟
بالنسبة لسوريا
ـ إذا استمرت الأوضاع على وتيرتها الدموية الحالية، فإن سوريا ذاهبة حتماً الى التقسيم. لا يمكن تسليم الشمال للحلف المناهض للأطلسي وتركيا والسعودية. هذا ما يفسر شراسة المعركة هناك. حلب هي الفيصل. على أساسها يمكن فهم التفاهم الأميركي الروسي. موسكو لا تؤيد حالياً المغامرات. تريد تفاهمات مع أوباما للحصول على الكثير منه قبل رحيله. ثمة معلومات خليجية تتحدث عن تصادم وصل إلى المستوى العسكري حصل بين القوات الروسية والقوات الإيرانية والسورية قبل أيام في الشمال بسبب خان طومان وغيرها .
ـ الأميركيون رفضوا منذ البداية البحث بأي حل جدي لسوريا. حين كنا نسألهم: ماذا ستفعلون بعد سقوط الأسد لو فرضنا أنكم ستنجحون بإسقاطه، لأننا كنا نخشى تمدد الإرهاب وتفكك الدولة؟ كانوا يقولون إنهم لا يخشون ذلك، ثم بعد فترة عادوا إلينا يقولون إننا كنا على حق. الآن هم لا يعرفون ولا يريدون تحديد كيفية الحل في سوريا ولعلهم صاروا أكثر رغبة في تقسيمها.
ـ يقول مسؤولون خليجيون: إننا نرى أن التسلل الإيراني الى الجسد السوري يزداد. لدينا معلومات عن عمليات تشييع فعلية. السطوة العسكرية الإيرانية باتت كبيرة. حين ذهب اللواء علي المملوك الى السعودية في صيف العام الماضي، جرى تركيز كبير على رفضنا لهذا الغرق السوري في أتون إيران. هذا ما قلناه أيضاً لمسؤولين سوريين مروا من هنا.
ـ بالرغم من كل الدماء، لم تُغلق الأبواب كلياً مع دمشق. لا يزال بعض السفراء السوريين يعملون في الخليج، لا بل إن بعض الدول الخليجية مثل الإمارات حدّت كثيراً من نشاط المعارضة ومنعت نشر أي أعلام مثلثة النجمة (التي رفعتها المعارضة). دول أخرى تتواصل عبر قنوات مباشرة أو غير مباشرة.
ـ يمكن لدول الخليج القبول ببقاء الرئيس الأسد. هناك أصلاً بعض التباينات حول هذا الموضوع. وزير الخارجية السعودي مثلاً يردد أن لا حل بوجود الأسد وأنه لا بد من رحيله بالسياسة أو عبر عملية عسكرية. قطر لها رأي مماثل وهي حالياً خلف السعودية وتحاول موسكو تعديل رأيها، لكن دولاً أخرى مثل الكويت أو الإمارات أو سلطنة عمان لا ترى ضيراً في بقاء الأسد. لا بل إن بعض هذه الدول يعتبر أن إعادة الخطوط مع النظام السوري قد تساعد في تخفيف "الوطأة الإيرانية". يقول أنصار هذا التوجه إن بعض القيادات السورية عسكرية وسياسية تبدو هي الأخرى أكثر ميلاً للعلاقة مع روسيا من منطلق العلاقة من دولة الى دولة لكنها بحاجة الى الدعم الإيراني. لا بد إذاً من إيجاد وسيلة للقول إن أي انفتاح على سوريا بحاجة الى موقف سوري حيال إيران. هذا صعب الآن ولكنه قد يصبح أسهل مع الوقت.
بالنسبة لأميركا والسعودية؟
ـ يتعامل عدد من قادة الخليج مع ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على أنه الملك. يشكل الرجل بالنسبة لهم حالة لافتة. هم كغيرهم لم يكونوا يعرفونه كثيراً. لعله فاجأ الكثير منهم. يقولون إنه صار يتعامل مع دول كالإمارات مثلاً على مستوى الشراكة ويكثف التشاور. يوحي بأنه يريد إحداث تغييرات كبيرة في الداخل السعودي والخارج وعلى مستوى المواجهة مع إيران. يتفاعل مع المحيط الخليجي. يُلاحَظ مثلاً أنه حين وضع العرش السعودي مع مستشارين محليين وغربيين "رؤيا السعودية 2030"، فقد اقتبس نقاطاً مهمة من الخطط التنموية التي تبنتها وتنفذها إمارة دبي التي تبدو هذه الأيام مدينة عصرية، أنيقة، تضاهي مدن الغرب تنظيماً وأمنا وجمالاً وحسن إدارة. السعودية تريد وضع خطط لما بعد مرحلة النفط الذي تتخلى عنه أميركا، دبي التي ليس عندها نفط أصلاً، سبقتها في المشاريع التنموية والعمرانية والسياحية ونجحت الى حد بعيد. لا بد إذاً من تكثيف التشاور مع حاكم دبي المهندس الفعلي لنقل دولته من الرمال الى السحاب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
ـ السعودية غامضة المستقبل بالنسبة لبعض الجوار الخليجي. من سيكون الملك المقبل؟ الأمير محمد بن سلمان، أم ولي العهد الأمير محمد بن نايف الذي لا أولاد عنده؟ هل تُحسم المسألة في خلال حياة الملك سلمان منعاً لحدوث خلل؟ ولو حُسمت هل تستمر الأوضاع على هدوئها أم لا؟ ماذا يريد الأميركيون من السعودية فعلياً؟
ـ يقول بعض الخبراء الخليجيين في شؤون الاقتصاد والمجتمع، إن في السعودية عوامل قلق تشبه ما كان في مصر قبل الثورة: الإدارة بحاجة الى تصحيح جذري. البنى المؤسساتية ضبابية. الفقر موجود. وضع الشيعة في المنطقة الشرقية يطرح أسئلة. الإرهاب له جذور وخلايا نائمة. العامل الديني متجذر ويراقب بحذر (على غرار ما فعل الإخوان المسلمون في مصر). شبكة التواصل الاجتماعي تضج بآراء لم يعهدها المجتمع السعودي. الطموحات لدى الأمراء متناقضة. الضغوط الغربية على المملكة كبيرة ومشبوهة. كل هذا يطرح في الجوار الخليجي أسئلة مقلقة بقدر ما أن قيادة السعودية حالياً لتحدي إيران يضع الجميع خلف الرياض (الشقيقة الكبرى كما يسمونها).
لقراءة المقال كاملاً
اضغط هنا
(السفير)