بعدما كثرت التحليلات التي تذهب في اتجاه إلباس بوتين عباءة القيادة الحقيقية لحملة البركزيت (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، ناقضت ماري ديجيفسكي هذا المنحى في مقال لها، عبر صحيفة "إندبندنت" البريطانية.
وقالت ديجيفسكي متهكّمة إنّه "في حال قرّر البريطانيون التصويت لصالح البركزيت فإنّ الملام الأوّل هو بوتين، لأنّ الأمر سيكون خطأه مع مساعدة صغيرة من "داعش". وأضافت أنّ هذين الطرفين هما "الرجل-البعبع" بالنسبة لمسؤولي حملة البقاء.
هدف بوتين... هدف يلتسن
ولا تزال ديجيفسكي تعتبر سبب وصول هؤلاء إلى هذا الاستنتاج لغزاً. إذا استُمِدّ هذا الاعتقاد أساساً من التنافس بين أوروبا وروسيا حول أوكرانيا وافتراض أنّ بوتين سيدعم أيّ أمر قد يضعف الإتحاد الأوروبي، فهو يظهر بكلّ بساطة عمق سوء الفهم الذي يربك علاقات المملكة المتحدة مع روسيا بشكل عام.
وتكمن أولوية روسيا في قيادة بوتين، كما كانت في ظل قيادة بوريس يلتسن، هي أمنها الخاص والاستقرار على حدودها. لهذا السبب لن ترغب روسيا بمغادرة بريطانيا للاتحاد. وليس سوء الفهم الجوهري هذا، في جميع الأحوال، إلا جزءاً لا يتجزّأ من السحر الذي نسجته بريطانيا أكثر من أيّ دولة تقريباً، حول شخص بوتين.
مبالغة في الإتهامات؟
وترى الكاتبة مبالغة في الاتهامات البريطانية لروسيا، بما فيها القول إن تعاطي المنشطات في ألعاب القوى الروسية ليس فقط تعاطياً للمنشّطات، لكنّه "تعاطٍ برعاية الدولة"، وعلى هذا النحو، على بوتين أن يكون متواطئاً فيه. في بطولة اليورو 2016، ليس بلطجيّة كرة القدم الروس، بلطجيين وحسب، لكن "مدرّبون تدريباً عالياً" وفي "زيّ موحّد". أمّا أكثر من ذلك كلّه، فهو تلميح "مصادر وايت هول" (شارع في لندن تكنّى به الحكومة البريطانية) إلى أنهم كانوا تحت سيطرة الكرملين، أداة أخرى في "الحرب الهجينة". هذا أمر سخيف، تماماً مثل اقتراح أنّ بلطجية الإنكليز تحرّكوا بأمر من داونينغ ستريت (رئاسة الحكومة). حتى بوتين لم يقترح ذلك.
الوصف القيصري لا يناسبه!
لسنوات، ضخّم الغرب قوّة بوتين وسلطته، عبر فرض قياس قيصري لا يناسبه، ووصّف خطأً الدولة الروسية المعطّلة كديكتاتورية. لكن برفعه إلى تهديد كهذا، يتقول الكاتبة إن الأوروبيين يخدمون أهداف بوتين أكثر ممّا يخدمون أهدافهم الخاصة.
ويصف مؤيّدو البقاء بوتين على أنّه القائد الأعلى للبركزيت. وفي عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة، بعد مؤتمر إقتصاي دولي في سانت بطرسبرج، سئل بوتين مباشرة عن البركزيت، فأجاب أنه ووزراءه لم يقولوا شيئاً– لأنّه كما لاحظ عن حقّ، لم يكن الموضوع من شأنهم. وأشار إلى نقطتين، أوّلاً، نفى إمكانية أن يكون البركزيت في مصلحة روسيا. وثانياً، سأل عن سبب دعوة دايفد كاميرون لإجراء إستفتاء كان واضحاً أنّه يناقض مصالحه، متكهّناً بأنّ الأمر كان ربّما مؤامرة لابتزاز الإتحاد الأوروبي.
سوء فهم الطرفين لبعضهما
جواب بوتين يفترض وجود حيرة حقيقية في موسكو حول أسباب إجراء المملكة المتحدة للإستفتاء، وتفسيره يساهم في تصوير المدى الذي بلغه سوء الفهم لدى الطرفين. ما يجب أن يكون الآن واضحاً، أنّ بوتين، وعلى عكس العديد من الظنون، لا يدعم البركزيت. وعندما ذكر وزير الخارجية أعداء خارجيين لبقاء بريطانيا، كانت تسميتُه فقط لداعش بمثابة صاعقة، فيما سقط بوتين في شكل غريب من لائحته.
بوتين ليس بريئاً
هذا كلّه لا يعني أنّه يجب عدم اتهام بوتين بأيّ شيء. وتقول الكاتبة إن ضمّ القرم، بغض النظر عن دوافع بوتين، كان عملاً غير قانوني. وعلى صعيد أكثر عموماً، يمكن أن يُتهم بوتين بالسماح، إن لم يكن بخلق، مناخ يمكن فيه أن يزدهر الفساد وتقيّد فيه قطاعات إعلاميّة. لكن أن يُلام بوتين على موقف لم يتّخذه وأعمال لم يكن جزءاً من صناعتها، فيه مخاطرُ تعكير التهم التي لها ما يبرّرها، وتشويه سمعة منتقديه الخارجيين، أكثر ممّا قد يقوم به هو نفسه.
(independent- 24)