ذكرت صحيفة "الجمهورية" أن "الغيوم تبددت من أجواء بكركي وعين التينة على خلفية سلّة التفاهمات، ومع أنّ الطرفين بقيا ثابتَين كلُّ على موقفه، حلَّ "الودّ" و"الغزل" وضيافة "كعك العباس" و"المعمول"، بدل التعابير اللاذعة من هنا وهناك. وأمّا الغيوم الرئاسية، فلم يشُب رماديّتَها شيءٌ من بياض، برغم المناخ الذي يجري ضخُّه في البلد بأنّ عمرَ الفراغ الرئاسي قد أصبح قصيراً جداً، خصوصاً وأنّ هذا المناخ مبني على فرضيات وتمنّيات وليس على معطيات أكيدة، علماً أنّ هذه المعطيات ليست في متناول أيّ مِن اللاعبين الأساسيين على خط الاستحقاق الرئاسي. وفي هذه الأجواء عاد الرئيس سعد الحريري من روسيا والسعودية، وعاد البلد معه إلى مربّع البحث عن نتائج محادثاته الخارجية وخصوصاً في الرياض. وكذلك انتظار خطواته اللاحقة ورصدُ الجولة الثانية من مشاوراته الداخلية قبل أن يميط اللثام عن خياره الرئاسي النهائي ويسمّيه علناً، علماً أنّه يميل نحو دعم ترشيح رئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون. ولهذا الميل أثرُه الواضح في الرابية التي تبدو منذ اللقاء الأخير بين الحريري وعون وكأنّها تسلّمت مفتاح القصر الجمهوري، وأنّ الحريري صار قابَ قوسين أو أدنى من النطق بالجملة السحرية: "أنا أدعم ترشيح عون". وإذا كان للغيوم الحكومية أن تنقشع بانعقاد مجلس الوزراء في جلسة عادية اليوم، فإنّ الغيوم المطلبية عادت إلى التراكم مجدّداً، والبلد على موعد اليوم مع إضراب جديد للسائقين واعتصامات وتظاهرات مترافقة مع قطعِ طرقات احتجاجاً على زيادة تعرفة المعاينة الميكانيكية.وغداة عودة الحريري من موسكو، بَرز توضيح روسيّ للموقف من الاستحقاق الرئاسي في لبنان، عبّر عنه السفير الروسي ألكسندر زاسبكين الذي قال لـ"الجمهورية" إنّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تطرّقَ في لقائه مع الحريري إلى تداعيات الأزمة السورية على لبنان، سواءٌ لجهة الخطر الإرهابي أو نتائج النزوح السوري، رافضاً اعتبارَ اللقاء بين الرَجلين بارداً.
وأكّد أنّ الجوّ كان ودّياً ، وأنّ موقف روسيا المبدئي والواضح تأييدُ إيجاد حلول عبر الوفاق، ونحن جاهزون لمساعدة اللبنانيين في ملفّ الرئاسة، ولكن من دون التدخّل في الشؤون الداخلية".
واعتبَر زاسبكين أنّ الحراكَ الذي يقوم به الحريري هو "لكسرِ الجمود ومحاولة إيجاد مخرج من المأزق". وقال: "لا ينفع أن نتحدّث عن تفاؤل أو تشاؤم بجهود الحريري، علينا بذلُ الجهود ضمن صلاحياتنا، والمطلوب توافق بين اللبنانيين أنفسِهم، وأيّ شيء مقبول للّبنانيين نقبله".
إلى ذلك، قالت مصادر معنية بالاستحقاق الرئاسي لـ "الجمهورية" إنّ الحريري يعيش في جوّ مِن التشاؤم في ضوء المشاورات التي يجريها خارجياً وداخلياً، وأكّدت أنه ليس في وارد الإقدام على أيّ خطوة بمعزل عن الموقف السعودي، وأنّه في حال أعلن اليوم خلال اجتماع كتلة "المستقبل" ترشيحَه لعون، فإنّ ذلك سيكون مؤشّراً على "قبّة باط" سعودية. إلّا أنّ المصادر نفسَها استبعَدت إعلانَ الترشيح اليوم.
وأكّدت المصادر أنّ رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل سيزور رئيس مجلس النواب نبيه بري في أيّ وقت، ليكون هذا اللقاء مقدّمةً لزيارة عون لبرّي.
وتقول المعلومات إنّ المواقف التي عبّر عنها عون في مقابلته المتلفزة مساء أمس الأوّل كشَحت بعض الغيوم، إلّا أنّ ذلك لا يكفي ما لم يحصل اتّفاق حقيقي بينه وبين برّي الذي لن يقف حجر عثرةٍ أمام إنجاز الاستحقاق الرئاسي، خصوصاً إذا تبَلورت في الأفق إرادات إقليمية ودولية لتحييد لبنان عن أزمة المنطقة، باعتبار أنّ أيّ لهيب لبناني يفتح أبوابَ النار على المنطقة كلّها.
وتكشف المصادر نفسُها أنّه خلافاً لكلّ ما يشاع، فإنّ الإدارة الأميركية موجودة على خطّ الاستحقاق، ولا تتوقّف عند ماهيّة هذا المرشّح أو ذاك،
وأنّ تبَلور أيّ موقف سعودي يدعم حراك الحريري، والخيارات التي قد يذهب إليها ستكون على الأرجح نتيجة تدخُّلِ إنْ لم يكن نتيجة ضغط أميركي على الجانب السعودي.
وتؤكّد هذه المصادر أنّ ما قيل عن اتّفاقات حصلت بين معاونَي عون والحريري حول الوزارات وما شابَه ليس صحيحاً، أوّلاً لأنّ لا صلاحية للجانبين بالبحث في شؤونٍ هي من صلاحية مختلف الأفرقاء الذين سيشاركون في الحكومة المقبلة. وثانياً لأنّ عون حدّد للحريري مجموعة ثوابت يعتقدانها أساسية ولا يمكن العهد المقبل أن ينطلق من دونها.
وفي هذا المجال، تكشف المصادر أنّ عون أقنعَ الحريري بأنّ مسألة سلاح المقاومة وتدخّلَ "حزب الله" في سوريا مسألة إقليمية أكبر من لبنان ولا داعي للخلاف حولها.
أمّا في موضوع قيادة الجيش، فهو أمرٌ سيكون خاضعاً للتوافق، وإنّ تعيين أيّ قائد جديد للجيش لن يتمّ بمعزل عن رأي "حزب الله"، لأنّ موضوع الأمن والجيش والمقاومة متلازم، خصوصاً أنّ عنوان الاستقرار الأمني هو المؤسسة العسكرية، ومِن الضروري أن يكون هناك اتّفاق بينه وبين المقاومة.
وتؤكّد المصادر أنّه في حال رُسوّ الخيارات على عون رئيساً والحريري رئيساً للحكومة، سيكون ذلك بمثابة تسوية متوازنة لا يمكن لأيّ فريق أن يقول إنّه انتصر، فإذا كان فريق قد تنازلَ وقبِل بعون فإنّ حلفاء عون تنازَلوا وقبلوا بالحريري، ولو أنّ شخصاً آخر يُختار لرئاسة الحكومة غير الحريري، فعندئذ يمكن الحديث عن انتصار هنا وخسارة هناك، وطبعاً هذه التنازلات المتبادلة هي بالنهاية تسوية يُراد منها تحييد لبنان عن أزمات المنطقة. وفي هذا المجال ربّما تحصل «قبّة الباط» السعودية.
وتتوقّف المصادر باهتمام عند ما أعلنَه مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان، خصوصاً لجهة قوله إنّ السعودية على عِلم بما يحصل في موضوع تحرّكِ الحريري نحو خيار عون، بغَضّ النظر عمّا قاله أيضاً عبد اللهيان وتضمّنَ نوعاً من التنويه بعون.
في عين التينة
في المقابل، تبقى الصورة في عين التينة رمادية، إذ إنّ الأمور لم تتبدّل عمّا كانت عليه لدى بري الذي ما زال يرى أنّ الانتخابات الرئاسية لن تحصل في يومين خصوصاً أنّ سلّة التفاهمات التي طرَحها ما زالت شرطاً أساسياً لبلوغ برّ الأمان الرئاسي بمعزل عن شخص الرئيس.
وقالت مصادر مواكبة للاستحقاق عن كثب لـ "الجمهورية" إنّ هذا الاستحقاق في ظاهره يبدو وكأنّ الحراك الذي يدور حوله من الحريري أو غيره، يؤشّر إلى إيجابيات حتمية، لكنّ في هذه الفرضية نوعاً من المبالغة، إذ إنّ الاستحقاق بناءٌ متكامل، مكوّناتُه عبارة عن عوامل محلّية وخارجية، ويمكن القول بناءً على الشكل إنّ الأمور قطعت الـ 75 في المئة من الطريق إلى الانتخابات، لكن تبقى الـ 25 في المئة، وهي مختلطة ما بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية.
في الداخل، ينبغي رصدُ حركة عين التينة في الآتي من الأيام إلى جانب قوى سياسية "صديقة برّي" . وأمّا في الخارج فيجب ألّا يخرج من الحسبان الموقف السعودي الحقيقي والموقف الأميركي تحديداً.
وإذ تسأل المصادر: هل يمكن إجراء الانتخابات الرئاسية في لبنان بمعزل عن الإدارة الأميركية الجديدة؟ تجيب: قد يكون من المستبعد القول إنّ الاميركيين يباركون تسويةً رئاسية في لبنان مهما كان شكلها، بمعنى هل تورث إدارةٌ أميركية راحلة ما قد لا يُعجب الإدارة الاميركية الجديدة الآتية التي لها كلمتُها في هذا المجال؟ أعتقد أنّ الـ 25 في المئة قد تكون أصعبَ بكثير من الـ 75 في المئة.
لقراءة المقال كاملاً
اضغط هنا
(
الجمهورية)