تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

أخبار عاجلة

وداعًا فيدل كاسترو.. ولو أنّ النخيل الكوبيّ لا يموت!

جمال دملج

|
Lebanon 24
27-11-2016 | 01:14
A-
A+
وداعًا فيدل كاسترو.. ولو أنّ النخيل الكوبيّ لا يموت!<br/>
وداعًا فيدل كاسترو.. ولو أنّ النخيل الكوبيّ لا يموت!<br/> photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
بعدما كان الموت قد مُني على يديه بهزائمَ نكراءَ متتاليةٍ، المرّة تلو الأخرى، منذ انتصار الثورة التي قادها ضدّ نظام الديكتاتور فولغينسيو باتيستا في مطلع شهر كانون الثاني عام 1959، ولغاية حلول لحظة القدر المحتَّم نهار أوّل من أمس الجمعة، يبدو أنّ الـ "كوميندانتي" فيدل كاسترو أيقن أخيرًا أنّ الوقت حان لكي يسلِّم روحَه لملكوت السماء، فإذا به يلفظُ نفَسَه الأخيرَ بهدوءٍ عن عمرٍ تجاوز لتوّه في الثالث عشر شهر آب الماضي التسعين عامًا، ويذهبُ مرفوع الرأس إلى حيث تصعد الأرواح راضيةً ومطمئنّة، راسمًا على وجهه فرحة اقتراب موعد لقائه الوشيك مع رفاقه القدامى من أمثال خوسيه مارتيز وإرنستو تشي غيفارا وغيرهم من الشهداء الذين سقطوا على درب النضال الطويل، ومخلّفًا وراءه على الأرض سيرةَ قائدٍ فذٍّ وشجاعٍ، لم يتوقّف عنفوانه عند حدّ النجاح ببراعةٍ في مقاومة وقهر الحصار الأميركيّ الذي فُرض على بلاده طيلة أربعةٍ وخمسينَ عامًا من الزمان وحسب، وإنّما في قلب المثل القائل بأنّ "العين لا تقاوم المخرز" رأسًا على عقب، معتمدًا في ذلك على الإيمان بثوابتِ مقولته الشهيرة عن أنّ "الفكر أقوى من السلاح"، وهي الثوابت التي ظلّ وهجها يلازمه في السرّاء والضرّاء، على رغم تعرّضه لأكثر من ستّمئةِ محاولةِ اغتيالٍ فاشلةٍ، تمّ معظمها بتخطيطٍ أميركيّ. على هذا الأساس، يصبح في الإمكان تفهّم سرّ الزهوّ الواضح الذي درجت العادة على أن يتجلّى في نبرة صوت الكوبيّين لدى التحدّث أمام زوّارهم الأجانب عن أنّ لا أحد يشبه نخيل بلادهم من حيث قدرته الفائقة على جذبِ البرق وتحدّي الرعد وعدمِ الانحناء أمام الرياح والأعاصير أكثر من الـ "كوميندانتي" فيدل كاسترو بكلّ تأكيد، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الحصار الأميركيّ، وإنْ كان قد التفّ كطوقٍ حديديٍّ حول رقابهم في أعقاب انتصار الثورة عام 1959، إلّا أنّه لم يحدّ من إصرارهم على التمسّك بإرادة الحياة، حتّى ولو كانت أنفاس هذه الحياة تخرج من أتون دائرة العيش الضيّقة. وفي سياق السرد التاريخيّ للأشهر الأولى من عمر انتصار الثورة الكوبيّة، تجدر العودة إلى يوم السادس من شهر نيسان عام 1960، عندما كتب نائب وزير الخارجيّة الأميركيّ لشؤون القارّة الأميركيّة ليستر ديويت مالوري مذكّرة جاء فيها حرفيًّا: "لا توجد معارضة سياسيّة فاعلة في كوبا. وعليه، فإنّ السبيل الوحيد المتوفّر لدينا اليوم من أجل إخماد الدعم الداخليّ للثورة، يتمثّل في خلق حالةٍ من الاستياء والتذمّر، تقوم على أساس الضيق والصعوبات الاقتصاديّة. ومن هذا المنطلق، ينبغي على وجه السرعة استخدام أيّ وسائلَ يمكن للعقل أن يتصوّرها من أجل إضعاف حياة كوبا الاقتصاديّة، بغية التسبّب بالجوع واليأس والإطاحة بالحكومة". وإذا كان ما تقدّم من هذا الكلام كافيًا لاستيعاب درجة الحقد الكامن في طيّاته ضدّ دولةٍ لم تكن قد فتحت (وقتذاك) بعد خطّ تواصلٍ مع الاتّحاد السوفييتيّ لكي يُقال إنّه يندرج في إطار الحرب الأميركيّة على الشيوعيّة الدوليّة، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ واشنطن كانت أوّل عاصمةٍ أجنبيّةٍ يزورها كاسترو في أعقاب انتصار الثورة، علاوةً على أنّ الحزب الشيوعيّ الكوبيّ كان قد تأسّس رسميًّا في شهر تشرين الأوّل عام 1965، فإنّ ما لا يمكن استيعابه على الإطلاق يتمثّل في أسباب عجز المجتمع الدوليّ عن تطبيق أكثر من أربعة عشر قرارًا صادرًا عن الأمم المتّحدة بشأن رفع الحصار الأميركيّ عن كوبا، تمامًا مثلما لا يمكن استيعاب سرّ تخاذل الشرعيّة الدوليّة وصمتها عندما أعلن الرئيس جورج دبليو بوش بالفم الملآن في شهر حزيران عام 2006 أنّ الولايات المتّحدة أعدّت خطّة سرّيّة تقوم على مبدأ ضرورة تضييق الخناق على الشعب الكوبيّ من أجل دفعه على الإطاحة بزعيمه التاريخيّ، ورصدَت لهذه الغاية ميزانيّة بقيمة ثمانين مليون دولار، وذلك كلّه على رغم أنّ السلطات الكوبيّة كانت قد كشفت مرارًا في المحافل الدوليّة أنّ ذلك الحصار يُصنَّف كعملِ إبادةٍ استنادًا إلى المادّة الثانية من معاهدة جنيف للوقاية من جريمة الإبادة والمعاقبة عليها. سرّ مرض كاسترو! ولعلّ ما كان لافتًا على إيقاع وقاحة إعلان الرئيس بوش في ذلك العام هو أنّها سرعان ما أعادت فتح شهيّة المعارضين الكوبيّين القدامى المقيمين في ميامي على الاستثمار فيها، ولا سيّما أنّ شهرًا واحدًا لم يكد يمرّ على هذا الإعلان، حتّى وصل إلى مطار خوسيه مارتيز الدوليّ في هافانا رجل قيل إنّه يدعى إنريكي باسالا كاريليس، شقيق لويس باسالا كاريليس المتّهم بالقيام بإحدى المحاولات الفاشلة لاغتيال فيدل كاسترو. حدث ذلك في الثاني والعشرين من شهر تمّوز عام 2006، وكان الرئيس فيدل كاسترو قد غادر يومذاك من المطار نفسه متوجّهًا إلى الأرجنتين للمشاركة في قمّة دول أميركا الجنوبيّة المنعقدة في بيونس آيريس، قبل أن يعود في الخامس والعشرين من الشهر نفسه إلى كوبا، استعدادًا للاحتفال في اليوم التالي بالذكرى السنويّة الثالثة والخمسين للهجوم الشهير الذي قاده على ثكنة "مونكادا" عام 1953، وبينما كان كاريليس يستعدّ بدوره للمغادرة عائدًا إلى ميامي، بعد تمضيته الأيّام الثلاثة في فندق "لوس فرايليس" الواقع بالقرب من "بلازا دي سان فرانسيسكو" في هافانا القديمة، تحت مراقبةٍ أمنيّةٍ مشدَّدةٍ، الأمر الذي لم يكن من الصعب على الصحافيّ متابعته بالعين المجرّدة، نظرًا لأنّني كنت أقيم في الفندق نفسه خلال تلك الفترة، علاوة على أنّني لن أنسى سمات الارتياب التي ارتسمت على وجه أحد أصدقائي الكوبيّين عندما أبلغني بأنّ ثمّة تغييراتٍ يُتوقَّع أن تحدث في الجزيرة في ضوء زيارة كاريليس الخاطفة. وبالفعل، فقد كان حدس صديقي في مكانه، ولا سيّما أنّ الرئيس كاسترو، لم يكد ينتهي من إلقاء خطابه الطويل يوم السادس والعشرين من شهر تمّوز عام 2006 حتّى ظهرت عليه علامات الإعياء الشديد، وكأنّه أراد البوح أمام عشرات الآلاف من أبناء شعبه بأنّ هذا الخطاب سوف يكون الأخير. وما حدث لاحقًا هو أنّ المرض باهت الزعيم الكوبيّ التاريخيّ بشكلٍ مفاجىءٍ بعد أربعةِ أيّامٍ من ذلك التاريخ، حيث أُدخِل إلى المستشفى إثر إصابته بالتهاباتٍ خطيرةٍ في الأمعاء، ما اضطرّه إلى تسليم مهامّ تسيير شؤون الدولة لشقيقه الأصغر راؤول بصفةِ رئيسٍ بالإنابة، إلى أن تنحّى بشكلٍ نهائيٍّ عن السلطة عام 2008، ليصبح راؤول إثر ذلك رئيسًا منتخبًا كامل الصلاحيّات، وليبدأ على الفور ما اتُّفقَ على تسميته بنهج "التغيير في إطار الاستمراريّة"، ومن ثمّ إلى فتح قنواتِ اتّصالٍ مع الولايات المتّحدة، الأمر الذي أدّى لاحقًا إلى رفعِ الحصار الأميركيّ وإعادةِ العلاقات الديبلوماسيّة بين البلدين في نهاية عام 2014، علمًا أنّ مكتب رعاية المصالح الأميركيّة الواقع بالقرب من فندق "ناسيونال" على كورنيش هافانا لم يُقفَل يومًا واحدًا من عمر الثورة الكوبيّة، بل بقي محاصرًا على الدوام بثمانين بيرقًا أسود اللون، تتوسّط الواحد منها نجمةٌ خماسيّةٌ بيضاء، وذلك في إشارةٍ رمزيّةٍ إلى رفاق فيدل الثمانين الذين استشهدوا في الهجوم على ثكنة "مونكادا" عام 1953، والذين ذهب الـ "كوميندانتي" نهار أوّل من أمس الجمعة لملاقاتهم مع غيرهم من رفاق دربه النضاليّ الطويل في السماء. وإذا كنتُ قد أشرتُ في هذه العجالة إلى نهج "التغيير في إطار الاستمراريّة" الذي اتّبعه راؤول كاسترو لدى تسلّمه مقاليد الحكم في الجزيرة التي لا تزال شيوعيّة لغاية اليوم، فمردّ ذلك هو أنّنا في الوطن العربيّ أحوج ما نكون إلى مثل هذا النهج، ولا سيّما أنّ "ثوراتنا" المعلَّبة والجاهزة للأكل لطالما أكلت مريديها وأنصارها على حدٍّ سواء، حتّى قبل بلوغ الأهداف المرجوّة منها، وحتّى قبل أن تكتسب صفة الثورات.. ويا ليت النخيل العربيّ يُشبه قليلًا النخيل الكوبيّ في عنفوانه، ويا ليت كلّ "الثوريّين" العرب يُنجبون لنا يومًا قائدًا يعلّمنا أنّ الفكر أقوى من السلاح، ويصمد، ويصمد، ويصمد، إلى أن توافيه المنيّة حرًّا وأبيًّا وشامخًا، وتصعد به روحه مرفوع الرأس، وليس ذليلًا، لملاقاة بارئه في السماء. فيدل كاسترو وداعًا.. وللحديث عن نموذج الثورة الكوبيّة تتمّة!
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Lebanon24
00:43 | 2026-09-02 Lebanon 24 Lebanon 24
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك