إذا كان لا بدّ من العمل على إنشاء محكمةٍ دوليّةٍ خاصّةٍ بجرائم الحرب المدرَجَة في سِجلّ يوميّات الأزمة السوريّة الراهنة، وفقًا لما طالبت به محقّقة الأمم المتّحدة لشؤون حقوق الإنسان في سوريا كارلا ديل بونتي نهار أمس الأربعاء، فأغلب الظنّ أنّ أكثر ما يحتاج إليه الرأي العامّ العالميّ والعربيّ في هذه الأيّام، يتمثّل في ضرورة التصويب على وجوب إدراج الذنوب التي اقترفتها المنظومة الإعلاميّة الغربيّة و"ببّغاءاتها" العرب في سياق أيّ محاكماتٍ مرتقبةٍ في المستقبل، ولا سيّما أنّ نظرة واحدة بالعين المجرَّدة، وبتجرُّد، إلى الأسلوب المتَّبَع حاليًّا في تغطية حيثيّات انتصار الجيش السوريّ وحلفائه في مدينة حلب من جهة، وإرهاصات استعادة مقاتلي تنظيم "داعش" سيطرتهم على مدينة تدمر من جهةٍ أخرى، لا بدّ وأن تكون كافية لإقناع الرائي بأنّ مناهج التضليل المستحدَثة، عن سابق عزمٍ وتصميمٍ، في خضمّ معمعة تداعيات تلك الأزمة، غالبًا ما كانت تخضع في معظم الأحيان لأساس المبدأ القائل بأنّ "الفتنة أشدّ من القتل"، الأمر الذي لا يختلف اثنان من العاقلين على أنّ سيل الشواهد عليه له أوّلٌ وليس له آخر.
في الحالة السوريّة مثلًا، وعلاوةً على كلّ ما يترافق في الوقت الحاليّ مع عمليّة تحرير حلب من تركيزٍ إعلاميٍّ على نشر صورٍ ملفّقةٍ من حيث تواريخ وأمكنة التقاطها لضحايا يُقال إنّهم سقطوا خلال اليومين الماضيين، ولدرجةٍ وصلت إلى حدّ وصف صورةٍ لضحايا عدوانٍ إسرائيليٍّ سابقٍ على قطاع غزّة بأنّها تُجسِّد "المجازر" التي يرتكبها النظام السوريّ بحقّ أبناء جلدته في شرق حلب، فإنّ أكثر ما بدا لافتًا في هذا السياق، كان قد تجلّى في العديد من المواقف الدوليّة التي راحت تُطلَق بغزارةٍ من هنا وهناك ضدّ ممارسات هذا النظام، وهي المواقف التي سرعان ما شكّلت أفضل "بيئةٍ حاضنةٍ" لضمان استمراريّة الحملة الإعلاميّة المذكورة، ولاستعار نارها ولهيبها أيضًا.
ولعلّ أبرز هذه المواقف كان قد تمثّل في دعوة المسؤولة الأمميّة كارلا ديل بونتي البارحة إلى إنشاء محكمةٍ دوليّةٍ خاصّةٍ بـجرائم الحرب في سوريا، على غرار المحكمة التي تمّ إنشاؤها للتعامل مع ملفّات جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة في تسعينيّات القرن الماضي، وذلك على رغم كافّة الشبهات التي ما زالت تحوم حول الأدوار المثيرة للجدل التي لعبتها تلك المحكمة وقتذاك، وخصوصًا في مجال "تسييس" وقائع جلسات مقاضاة كلٍّ من الرئيسين اليوغسلافيّ سلوبودان ميلوسوفيتش والصربيّ رادوفان كاراجيتش، علاوةً على رفضها القاطع للنظر في أيٍّ من جرائم الحرب المرتَكَبة ضدّ اليوغسلافيّين من جانب قوّات حلف شماليّ الأطلسيّ أثناء حملته العسكريّة التي شنّها بقيادة الولايات المتّحدة الأميركيّة يوم الرابع والعشرين من شهر آذار عام 1999، ومن بينها مجزرة "جسر فارفارين" الشهيرة التي نجمت عن قيام مقاتلات الحلف بقصف تلك البلدة الآمنة والواقعة في وسط صربيا يوم الثلاثين من شهر أيّار من العام نفسه، والتي قدِّر لي أن أكون شاهد عيانٍ على فظاعتها أثناء عملي بصفة موفدٍ لقناة الجزيرة الفضائيّة إلى منطقة البلقان.
وإذا كانت هذه الحملة قد شُنّت في الأصل تحت شعار حماية ألبان كوسوفو ممّا أشيع عن عمليّاتِ اضطهادٍ وتنكيلٍ يتعرّضون لها على أيدي القوّات الصربيّة في ذلك الإقليم المنكوب، فإنّني لن أنسى صوت إحدى النازحات الألبانيّات في مخيّم "ستانكوفيتش" في مقدونيا عندما قالت لي أمام عدسة الكاميرا: "ناتو تيروريستا"، وذلك في إشارةٍ واضحةٍ إلى أنّ أسباب نزوح مئات الآلاف من الكوسوفيّين عن ديارهم تعود في الأصل إلى "القصف الوحشيّ" الذي تعرّضوا له يوميْ الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من شهر آذار من قِبَل المقاتلات الأميركيّة والأطلسيّة، على رغم أنّ الدعاية الإعلاميّة الغربيّة ظلّت منصبّةً وقتذاك على الترويج لوقائعَ كاذبةٍ مفادها أنّ وحشيّة القوّات الصربيّة هي التي تسبّبت وحدها بموجات النزوح.
على هذا الأساس، وإذا ما أسقطنا الحالة اليوغسلافيّة السابقة على الحالة السوريّة الراهنة، في ضوء التركيز الأمميّ الأخير على موضوع جرائم الحرب المرتَكَبة خلال الأيّام القليلة الماضية في شرق حلب، فإنّ ما يمكن استنتاجه على خلفيّة هذا التركيز، يتمثّل في أنّ الغرب أعدّ العدّة لمواصلة حربه ضدّ نظام الرئيس بشّار الأسد بأسلحةٍ من نوعٍ جديد، الأمر الذي لا بدّ وأن يفسِّر بالتالي سرّ مواظبة معظم المسؤولين الغربيّين على ترديد الأسطوانة القائلة بأنّ انتهاء معركة حلب لصالح النظام وحلفائه لا تعني بالضرورة نهاية الحرب في سوريا.
ولعلّ الزهوّ الذي بدا واضحًا في لهجة المتحدّث باسم البنتاغون جيف ديفيس، لدى تعليقه أوّل من أمس الثلاثاء على قيام مقاتلي تنظيم "داعش" باستعادة السيطرة على مدينة تدمر الأثريّة "سريعًا جدًّا"، على حدّ تعبيره، وخصوصًا عندما قال إنّ "النظام مدعومًا من روسيا كان تركيزه منصبًّا بالكامل على حلب لدرجة أنّه نسي أن ينظر في المرآة ليرى ما يحدث خلفه"، ما هو إلّا تأكيدٌ على أنّ الحرب لم تضع أوزارها بشكلٍ نهائيٍّ بعد.. ولكنّها هذه المرّة حربهم هم حتّى إشعارٍ آخر.. وما على الرأي العام العالميّ والعربيّ إلّا الاقتناع واليقين.