توقفت الصحف المحلية اليوم (الخميس) عند الموقف الحازم لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون لجهة رفضه قانون الستين الانتخابي والتمديد لمجلس النواب الى حدود تفضيله الفراغ المجلسي صراحة، في مقابل الإضاءة على اجتماع رباعي اكتسب دلالات من شأنها اثارة مزيد من التوهج خصوصا أنه انعقد في القصر الجمهوري.
وكان الرئيس عون قال خلال جلسة مجلس الوزراء: "إذا خُيّرتُ ما بين تمديد لمجلس النواب أو الفراغ، موقفي واضح في هذا الموضوع، سأختار الفراغ"، مضيفاً: "إذا عجزنا منذ ثماني سنوات عن إقرار قانون للانتخابات اتّفقَ جميع السياسيين على إنجازه، فأين هي فعاليتُنا وصدقيتنا".
واعتبرت "الأخبار" أن رئيس الجمهورية اعلن امتلاكه مفاتيح تعطيل إجراء الانتخابات وفق "الستين"، وسلطة منع التمديد للمجلس النيابي، ونيته استخدام هذه المفاتيح والسلطات.
بدا واضحا لـ"النهار" ان موقف الرئيس عون شكل "رأس جبل الجليد" او أول الغيث في اندفاع الملف الانتخابي الى درجات عالية من السخونة وربما التصعيد، كما وصفه مصدر سياسي بارز معني بالمشاورات الكثيفة الجارية على مختلف المستويات سعيا الى بلورة مخرج للمأزق الذي يحاصر ملف قانون الانتخاب.
وأوضحت مصادر وزارية لـ"النهار" أن وزير الداخلية نهاد المشنوق طلب البحث في موضوع الهيئة من أجل طرح الأسماء العشرة المقترحة للتعيين. فردّ الرئيس عون: "أنا حكيت معك أمس (الثلثاء) لكنني لست موافقاً على طرح موضوع هيئة الاشراف على الانتخابات لأن من واجباتنا وضع قانون انتخاب قبل البحث في هذه الهيئة". وأضاف: "اذا خيرت ما بين التمديد للمجلس او الفراغ فموقفي واضح في هذا الموضوع وسأختار الفراغ. انا أقسمت على الدستور وأديت اليمين واتفق كل الفرقاء السياسيين على إعداد قانون انتخاب،واذا لم نتوصل بعد ثماني سنوات الى وضع قانون انتخاب جديد فأين فعاليتنا وصدقيتنا ؟".
وسأل وزير الداخلية عن المهل القانونية التي نقترب منها، فكان ردً رئيس الجمهورية بأنه "يمكن معالجتها في وقت لاحق، ولنترك المجال الآن للبحث في قانون انتخاب جديد، طالما ان القوى السياسية تجمع على انها تريد قانوناً جديداً وهناك مشاورات تجري لهذا الهدف".
وأشارت "الأخبار" إلى أنه فيما حاول المشنوق، في جلسة الحكومة، تذكير رئيس الجمهورية بالالتزام الدستوري، وبـ"مصداقية لبنان الدولية"، وبأن "العالم يراقبنا"، ردّ الوزير جبران باسيل بالقول: "الموضوع الدولي عليّ. أتولاه في الخارجية". وعندما قال له المشنوق: "اعتبرنا منعرف شوي"، أصرّ باسيل قائلاً: "أنا بحلّها". وهنا تدخل رئيس الحكومة سعد الحريري الذي فهم على ما يبدو رسالة عون، إذ قال: "فخامة الرئيس لا يتجاوز المتطلبات القانونية والدستورية، لكنه يريد منا الإسراع في التوصل إلى قانون جديد".
الرئيس وصلاحية التعطيل
وأكدت مصادر مطلعة في "التيار الوطني الحر" لـ "الأخبار" أن لدى رئيس الجمهورية "كل الإمكانات القانونية والدستورية للمضي في موقفه، لأن في يده مفاتيح كل من التمديد للمجلس النيابي أو إجراء الانتخابات وفق قانون الستين". وأوضحت أن الذهاب إلى انتخابات وفق القانون النافذ "بحاجة إلى مرسوم عادي لا يمكن في أي شكل من الأشكال أن يمرّ من دون توقيع الرئيس، ولا توجد أي وسيلة دستورية أو قانونية لتخطي هذا التوقيع". أما في ما يتعلّق بالتمديد، "ففي إمكان الرئيس، دستورياً، وقف جلسات مجلس النواب لمدة عقد كامل، بما يتخطى مهلة نهاية ولاية المجلس". وشدّدت المصادر على أن أحداً لا يتمنى الفراغ، وأن "وجود هذه المفاتيح في يد رئيس الجمهورية يفترض أن يدفع كل الأطراف إلى العمل على التوصل إلى قانون انتخابي جديد".
وتحدثت معلومات قريبة من الثنائي المسيحي لـ"اللواء" أن الطرفين يتجهان إلى إبلاغ رئاسة مجلس النواب أن الجلسات التشريعية يجب أن تكون آخرها جلسة اليوم، بحيث يعكف المجلس على العودة إلى مناقشة وإقرار قانون جديد للانتخاب.
ولاحظت "الأخبار" أن النقاش الذي حسمه رئيس الجمهورية سريعاً، أدى إلى تسارع اللقاءات أمس: أحدها في قصر بعبدا ضم الوزراء علي حسن خليل ومحمد فنيش وجبران باسيل والنائب علي فياض ونادر الحريري (مدير مكتب الرئيس الحريري). وآخر في معراب جمع باسيل والنائب إبراهيم كنعان والوزير ملحم الرياشي. وثالث في وزارة الثقافة ضم "خبراء انتخابيين"يمثلون تياري المستقبل والوطني الحر والقوات اللبنانية، ورابع في حارة حريك بين كتلتي الوفاء للمقاومة واللقاء الديموقراطي. لكن النتيجة لا تزال كما هي: لا مشروع جدياً يتيح التوصل إلى قانون. إذ تركّز البحث، بحسب "الأخبار"، على مشروعَين:
التأهيلي الذي يعتمد النظام الأكثري في الأقضية حيث يختار أبناء كل مذهب إسلامي مرشحيهم، ويختار المسيحيون مرشحيهم (لا يُعامَل المسيحيون كأبناء مذاهب، بل كأبناء طائفة واحدة، بحسب التعديل الذي اقترحه التيار الوطني الحر). وبعد تأهيل المرشحين في القضاء (مرشحان عن كل مقعد)، تجرى الانتخابات في المحافظات على أساس النسبية. لكن خطورة هذا القانون، إضافة إلى كونه يعمّق التصنيف المذهبي والطائفي للمواطنين، تكمن في أنه يسمح للكتل الكبرى في الطوائف والمذاهب باختيار مرشحين من لون سياسي واحد في عدد كبير من الدوائر، ما يجعل المرحلة الثانية نسبية ممسوخة، وأشبه بمسرحية معروفة النتائج سلفاً، ويُفرغ النسبية من أي مضمون إيجابي.
المشروع الثاني الذي تقدّم البحث بشأنه أمس، طرحه التيار الوطني الحر، ويعتمد النظام المختلط بين النسبية والأكثرية. وهو يُقسّم النواب إلى فئتين: منتخبون وفق النسبية في المحافظات الخمس؛ ووفق الأكثري في الأقضية. تضم الفئة الأولى كل المنتمين إلى طوائف لا تتجاوز نسبة ناخبيها عتبة الـ66 في المئة (مثلاً، في بيروت الثالثة، الدرزي والأرثوذوكسي والشيعي والإنجيلي والأقليات يُنتخبون وفق النظام النسبي، مع نواب الدائرة الثانية، على أساس أن بيروت كلها دائرة واحدة. أما النواب الخمسة السنّة فيُنتخبون وفق النظام الأكثري، لأن السنّة يمثلون أكثر من 66 في المئة من ناخبي بيروت الثالثة. وفي البقاع الشمالي، يُنتخب النواب الشيعة الستة وفق النظام الأكثري، فيما يُنتخب الماروني والكاثوليكي والسنيان وفق النظام النسبي في دائرة تضم أقضية البقاع مجتمعة).
ولفتت "الأخبار" إلى أنه من ثُغَر هذا الاقتراح أنه يناقض فكرة المساواة بين النواب، ويتعامل مع المسيحيين، من مختلف المذاهب، ككتلة طائفية واحدة، فيما يقسّم المسلمين إلى سنّة وشيعة ودروز وعلويين. وبناءً على ذلك، يُنتخب وفق النظام الأكثري نواب الدوائر الآتية: بيروت الأولى (الأشرفية)، بشري، الكورة، زغرتا، البترون، كسروان، المتن، جزين، صيدا، بنت جبيل، النبطية، صور، المنية الضنية، والنواب المسيحون في جبيل وبعبدا، والنواب السنّة في طرابلس وعكار وبيروت الثالثة، والنواب الشيعة في بعلبك الهرمل والزهراني. ويُنتخب وفق النظام النسبي نواب زحلة والبقاع الغربي ــ راشيا، وبيروت الثانية، مرجعيون ــ حاصبيا، والشوف وعاليه. كذلك يُنتخب وفق النظام النسبي النواب غير السنّة في طرابلس وعكار، والنواب غير الشيعة في بعلبك ــ الهرمل، والنواب غير المسيحيين في بعبدا وجبيل، والنواب غير السنّة في بيروت الثالثة، والنائب الكاثوليكي في الزهراني.
واعتبرت "الأخبار" أن الأزمة هنا، بحسب تقسيمات المشروع، أن النسبية تفرغ من مضمونها، لناحية إيجاد تنوع داخل الطوائف. فعلى سبيل المثال، بمقدور تحالف حزب الله وحركة أمل أن يحصد كافة المقاعد التي ستُنتخب وفق النسبية في الجنوب (دائرة النظام النسبي تضم محافظتي الجنوب والنبطية معاً)، بقليل من حُسن إدارة المعركة. كذلك، إن حصول أي لائحة معارضة لأمل وحزب الله على "الحاصل الانتخابي" (أي الحد الأدنى من عدد الأصوات المطلوب للحصول على مقعد نيابي واحد) شبه مستحيل، لأن عدد المقاعد التي ستُنتخب وفق النسبية ضئيل للغاية، ما يقتل أي تنوّع سياسي داخل الطوائف. كذلك يجعل المشروع التنوع داخل الطوائف المسيحية شبه مستحيل، باستثناء دائرة زحلة التي سيُنتخب جميع نوابها وفق النظام النسبي في محافظة البقاع.
خلاصة الأمر، بحسب "الأخبار"، أن هذا المشروع ينضم إلى مشاريع القوانين المبنية على النظام المختلط، التي تنتحل صفة النسبية كنوع من المخدّر للمطالبين بها، فيما هي تُعيد إنتاج المجلس النيابي نفسه، وتمنع أي تنوّع داخل الطوائف، ولا تُنتِج قانوناً انتخابياً. كذلك فإنه يعاني من ثغرة أساسية، تتصل بكونه جعل جميع النواب الدروز يُنتخبون وفق النسبية، فيما غالبية النواب المسيحيين والسنّة والشيعة يُنتخبون وفق الأكثري، وبتقسيمات الستين نفسها. ويؤدي ذلك حكماً إلى رفض النائب وليد جنبلاط له. كذلك فإن حزب الله وحركة أمل يرفضانه، رغم أنه يمنحهما قدرة على حصد مقاعد يفوق ما هو موجود لديهما. فالحزب سبق أن أبلغ جميع محاوريه بأنه يريد النسبية الكاملة، لأنها تمنح قدرة التمثيل لجميع الأقليات الطائفية، وبالتنوع داخل الطوائف، وهي المعبر الإلزامي لبناء الدولة وتحقيق حد أدنى من الانصهار الوطني. أما حركة أمل، فذهبت بعيداً أمس في تأييد النسبية، على لسان النائب هاني قبيسي الذي طالب بتطبيق اتفاق الطائف، كمخرج من الأزمة الحالية، ولمواجهة العجز عن التوافق على قانون انتخابي. واقترح قبيسي اقترح اعتماد قانون للانتخابات النيابية على أساس لبنان دائرة واحدة خارج القيد الطائفي، وإنشاء مجلس للشيوخ تتمثّل فيه الطوائف.
رباعي "تشاوري" في بعبدا.. لا "إقصائي"
بدا لكلّ الأوساط السياسية أمس أنّ انعقاد اللقاء الرباعي في القصر الجمهوري الذي خُصّص للملف الانتخابي، كان إيذاناً للبدء بالبحث الجدّي والعملي في قانون الانتخاب العتيد، الذي يبدو، في رأي بعض المعنيين، أنه سيكون "قانون التراضي" بدليل إعلان الجميع الحرصَ على قانون يَرضى به الجميع.
ولاحظ مصدر سياسي بارز لـ"النهار" ان الاجتماع الرباعي الذي عقد بعد الظهر في قصر بعبدا اقتصر على ممثلي "التيار الوطني الحر " و"تيار المستقبل " وحركة "امل" و"حزب الله" ولم يضم ممثلين للحزب التقدمي الاشتراكي وحزب "القوات اللبنانية"، كشف ان الاشتراكي بعث برسائله الى المعنيين مع الوزير علي حسن خليل والسيد نادر الحريري بمضمون واضح مفاده رفضه التام للنسبية ووجوب تطبيق الطائف لجهة اعادة رسم التقسيم الاداري واستطراداً انشاء محافظة الشوف عاليه.
واعتبر المصدر لـ"النهار" ان الكلام الذي يصدر عن بعض الجهات ملمحا الى تحرك في الشارع في حين تستمر المشاورات في شأن قانون الانتخاب أثار استغراباً لانه في غير محلّه ويخالف التوافق الذي أحاط انتخاب الرئيس عون وتشكيل الحكومة.
وفيما أحيط الاجتماع بتكتم كبير وأبعد عن عدسات المصورين، كان شبه اجماع من المشاركين فيه على أنه "اجتماع تشاوري وليس حلفاً أو جبهة"، في حين حرصت مصادر المجتمعين على التأكيد لـ"المستقبل" أنّ الاجتماع كان "تشاورياً بحتاً جرى خلاله استعراض مختلف الأفكار الانتخابية المطروحة على الساحة الوطنية من دون وجود أي أبعاد أو أهداف إقصائية لدى أي من أطرافه الأربعة الذين سيكون كل منهم على تنسيق مفتوح ومستمر مع الأفرقاء الآخرين بشأن الصيغ التوافقية المتاحة لقانون الانتخاب".
وتوقعت "الجمهورية" أن يتوسّع هذا اللقاء ليشملَ أكثرية القوى السياسية، حتى إذا اتُفِق على صيغة معيّنة تُطرَح في المؤسسات المختصة لإقرارها في مجلس النواب خلال دورته التشريعية الاستثنائية الحالية، في حين توقعت مصادر مواكبة لهذه المشاورات لـ"النهار" أن ينضم الى الاجتماع المقبل ممثل للحزب التقدمي الاشتراكي، وان تكون الصيغة الأقرب الى التوافق هي التأهيل على الأكثري والانتخاب على النسبي سواء في الدائرة الواحدة القضاء أو على دورتين في القضاء ثم في المحافظة، على أن تكون طمانة النائب وليد جنبلاط بجعل الشوف وعاليه دائرة واحدة. لكن كل ما يتم تداوله لا يزال افكاراً تحتاج الى مزيد من البلورة وتوسيع مروحة التشاور حيالها.
وفي معلومات "اللواء" أن ممثلي الأطراف الأربعة اتفقوا بصفتهم ممثلي كتلهم على اجراء الانتخابات في ضوء قانون جديد، وهذا هو صلب الموضوع.
برّي: لا أسوأ من السوء إلّا
في المواقف، كرّر رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام مجلس نقابة الصحافة برئاسة النقيب عوني الكعكي أمس تأكيدَ رفضِه التمديد لمجلس النواب في المطلق، وقال: "لا أسوأ من السوء إلّا التمديد"، وأعتبر "أنّ قانون النسبية هو خلاص لبنان"، منتقداً مجدداً قانون الستّين "الذي يُبقي الوضعَ على ما هو عليه في المجلس النيابي ويَقضى على الأصوات المستقلة، ولا يضمن صحّة التمثيل".
وقال: "حتى الآن ليس هناك استقرار على قانون معيّن، لكنّ البحث واللقاءات جارية بقوّة للاتّفاق على قانون جديد للانتخابات. وكما قلت في السابق، فإنّ ايّ قانون يجب ان يَحظى بتوافق جميع الأطراف، وأنا لن أسير بأيّ قانون لا ترضى ايّ طائفة من الطوائف به، وإنّ عدمَ الاتّفاق على القانون يُحدث شرخاً في البلاد".