كتب عماد مرمل في صحيفة "الديار": من ساحة رياض الصلح الى المختارة، قال الشارع أمس كلمته ووزع الرسائل في اكثر من اتجاه، فارضا ايقاعه مرة اخرى على المشهد السياسي المتصدع الذي بدا بحاجة الى ترميم سريع، قبل استفحال تأثير الاهتزازات المتلاحقة التي يتعرض لها.
في وسط بيروت، انتفض اللبنانيون على "دكتاتورية" الضرائب و"محميات" الفساد، وقالوا "لا" مدوية لمحاولة تمويل سلسلة الرتب والرواتب المشروعة من خلال لحمهم الحي، بعدما افترضت السلطة ان بامكانها "تهريب" الزيادات الضريبية عبر "الخط العسكري"، بأقل ضجيج ممكن. وربما تكون السلطة قد اصبحت، في أعقاب انتفاضة المجتمع المدني "المتجددة"، اكثر ميلا الى تأجيل الانتخابات النيابية، سواء تقنيا او سياسيا، خشية من ان تفلت منها خيوط اللعبة، وان يُترجم المزاج الشعبي "المتمرد" الى اصوات هادرة وثائرة في صندوق الاقتراع.
ولئن كان الرئيس سعد الحريري قد حاول احتواء غضب المحتشدين في وسط بيروت بنزوله الى الارض الساخنة ووقوفه على "خط التماس" مع المتظاهرين مخاطبا اياهم ومحاولا طمأنتهم، إلا انه سرعان ما تبين ان حجم الاحتقان الشعبي هو اكبر من ان تحتويه مبادرة فردية لرئيس الحكومة، حتى لو اعتبرها البعض شُجاعة، ما اضطره الى الانسحاب سريعا، بمواكبة مرافقيه، تحت وابل من رشقات الزجاجات الفارغة وخفقات القلوب الملآنة.
لقد بدا الحريري وكأنه يحاول ان "يقود" التظاهرة، رافعا لواء محاربة الفساد والهدر ومبديا تعاطفه مع المطالب المحقة، إلا ان هذا "الانزال" خلف شعارات المحتجين لم ينجح في تحييده عن "بنك الاهداف" الذي حدده المعترضون في الشارع، رافضين التفاوض معه، في تعبير عن ازمة الثقة بين الناس والدولة.
وليست الحكومة والسلطة التشريعية هما المطالبتان فقط بالتقاط نبض الشارع ومحاكاة تطلعه الى تحقيق الاصلاح الملح والعدالة الاجتماعية، بل ان رئيس الجمهورية ميشال عون معني، وربما أكثر من غيره، بملاقاة الناس في أول الطريق، لا في منتصفها، وصولا الى الاستجابة لصرختهم ضد الضرائب المجحفة ولالحاحهم على وضع قانون انتخاب جديد، قبل ان يؤدي تراكم عناصر الخلل الى استنزاف زخم العهد ورصيده باكرا.
والمهم ألا يكون ما حصل بالامس مجرد "نزهة احتجاجية" في يوم عطلة، وبالتالي فان المحك يكمن في البناء على لحظة النهوض الشعبي وتفعيلها، لمواصلة الضغط على مراكز القرار الرسمي بشكل تراكمي، ودفعها نحو مراجعة خيار فرض الضرائب واعطاء الاولوية لتحدي مكافحة الفساد.
(عماد مرمل - الديار)