تعرض مسؤولون في حملة مرشح الرئاسة الفرنسية، إيمانويل ماكرون، لعملية قرصنة إلكترونية كبيرة، أثارت جدلا واسعا في فرنسا، بعد نشر كمية كبيرة من الوثائق المسربة على الإنترنت، قبيل ساعات من الصمت الانتخابي الذي سرى مفعوله بعد منتصف ليل الجمعة بتوقيت فرنسا.
ويصل حجم الوثائق المسربة التي تم نشرها من حساب مجهول على الإنترنت، إلى 9 غيغابايت، وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل مكثف، تحت مسمى "ماكرون ليكس".
وأكدت حملة ماكرون أن الوثائق تضم رسائل للبريد الإلكتروني وبيانات مالية عن الحملة قد سرقت في عملية قرصنة "واسعة ومنسقة"، وأنها "خليط من وثائق حقيقية ومزيفة".
وأوضحت أن الوثائق لا تتضمن أي شيء يشكل تهديدا لها، مؤكدة أن الوثائق الناتجة من القرصنة كلها قانونية وتعكس العمل الطبيعي لحملة رئاسية، ونشرها يكشف معطيات داخلية لا تقلقنا.
ولم تتهم حملة ماكرون جهة محددة بالمسؤولية عن عملية القرصنة لكنها قالت إنها تهدف لإفساد وإضعاف الحملة والديمقراطية في فرنسا. وقارنتها مع حادثة تسريب الرسائل الإلكترونية للحزب الديمقراطي خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية العام الماضي، التي أُلقي اللوم بالمسؤولية عنها على قراصنة إلكترونيين روس.
حظر النشر
وحذرت لجنة الانتخابات، وسائل الإعلام والسياسيين والمواطنين، من إعادة نشر المعلومات المسربة، معتبرة أن أي خرق لقواعد الانتخابات قد يعرض صاحبه لاتهامات جنائية.
وقالت مفوضية الانتخابات في بيان أصدرته السبت: "في ليلة الانتخابات الأهم بالنسبة لمؤسساتنا، تدعو المفوضية كل من يحضر في مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وبشكل أولي وسائل الإعلام، وكذلك المواطنين أيضا، إلى الاتسام بالمسؤولية وأن لا يروجوا هذا المحتوى، لكي لا يربكوا أمانة عملية التصويت".
ويرى محللون، أن تحليل هذه الوثائق المسربة سيستغرق وقتا. لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون، وخصوصا بعد تشكيك مؤسس "ويكيليكس"، جوليان أسانغ، يتعلق بما إذا كانت هذه الوثائق حقيقية أم لا؟
قرصنة ممنهجة
وظهرت الوثائق أولاً على شكل روابط على موقع "بايستبان"، وهو نوع من دفتر عام يعرفه العاملون في المعلوماتية والقراصنة لأنه يتيح نشر ملفات بطريقة تبقى مجهولة المصدر نسبيا.
وأعلنت رسالة على منتدى 4chan وهو المنتدى الأكبر في العالم ويرصد المتعاطفين مع اليمين المتطرف الأمريكي، وجود الوثائق على "بايستبان". وبعد ذلك، تولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدا حسابات مؤيدة لترامب نشر الرسالة. وقام "ويكيليكس" بدوره بنشرها. وصار هاشتاغ "ماكرون ليكس" الأكثر تداولا حول العالم خلال الليل.
وظهر هاشتاغ تسريبات ماكرون على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" في حساب يعود إلى شخصية من اليمين المتطرف الأمريكي بعد ظهر الجمعة. وأفادت تقارير بأنه أعيد نشر التغريدات 87 مرة في الدقائق الخمس الأولى لظهورها، مشيرة إلى أنه ربما استخدمت برامج إلكترونية لتسريع نشر الرسائل تلقائيا.
وخلال 90 دقيقة، جذبت المعلومات المسربة انتباه مؤيدي حملة مارين لوبان، الذين أسهموا أيضا في مزيد من نشر هذه المعلومات باستخدام برامجيات تزيد انتشارها تلقائيا.
وبعد مرور نحو ثلاث ساعات ونصف بعد نشر التغريدة الأولى تسريبات ماكرون، استخدمت نحو 47 ألف مرة، ولعب حساب "ويكيليكس" دورا رئيسا في نشر الهاشتاغ، عن طريق وضع رابط الوثائق المسربة، لكنه أشار ضمنا إلى أنه ليس مسؤولا عنه.
ومن أول من قام بنشر الرسائل جاك بوزوبيك، المعروف جدا في واشنطن بأنه يعمل لصالح موقع "the rebel" المؤيد لدونالد ترامب ومارين لوبان.
ويرفض جاك بوزوبيك نسبه إلى منظمة "اليمين البديل"، وهي حركة رئيسية من اليمين المتطرف في أمريكا، ويعلن نفسه منتميا إلى "اليمين السلافي"، وهو تيار يميني متطرف عنصري ومعاد للإسلام ويؤمن بتفوق العرق الأبيض، ويتمركز بشكل أساسي في أوروبا الشرقية.
وقبل قليل من نشر بوزوبيك وثائق "ماكرون ليكس" المسربة، نشر صورة عن لقائه مع ميلو يينانوبولوس، إحدى الشخصيات الأساسية في "اليمين البديل" الأمريكي، والمعروف بتصرفاته الاستفزازية الكثيرة التي تنطوي على تمييز عنصري وجندري.
ليست المرة الأولى
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها حملة ماكرون إلى عملية قرصنة، فسبق لفريق ماكرون أن كان ضحية لهجمات قرصنة، حيث تعطلت مخدمات (سيرفرات) حملة ماكرون لدقائق في شباط بعد هجوم بدا أن مصدره في أوكرانيا.
وثمة من يتهم جماعات في روسيا وأوكرانيا بالوقوف وراء ذلك. ويشك في أن الكرملين يريد مساعدة لوبان التي تدعم سياسة خارجية مؤيدة لموسكو.
شكوك
وفي تقرير لها في 25 نيسان، قالت "ترند ميكرو"، وهي مؤسسة تعنى بالأمن المعلوماتي إن مجموعة القراصنة "باون ستورم" المعروفة أيضا باسم "فانسي بير" كانت مهتمة أيضا بحملة إيمانويل ماكرون. ويشتبه في أن هذه المجموعة المرتبطة بالكرملين تقف وراء قرصنة الحزب الديمقراطي.
وندد جوان برانكو، وهو مستشار أسانغ في فرنسا بالعملية "المقززة". وكتب على "تويتر": "على مسافة ساعات من نهاية الحملة، وفي ظل الصمت المفروض على المرشحين، نتأرجح في كميات ضخمة من المعلومات....لماذا؟ إثارة الشكوك؟ خلق أسئلة لا يمكن التحقق منها في وقتها؟".
وظهرت الوثائق المسربة في الوقت الذي تتوقع فيه استطلاعات الرأي أن ماكرون يتجه لتحقيق فوز مريح على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في انتخابات اليوم الأحد؛ إذ تظهر أحدث الاستطلاعات اتساع تقدمه إلى نحو 62 في المئة مقابل 38 في المئة.
(عربي 21)