عند الساعة العاشرة والنصف من صباح أمس، فُتح الباب الخلفي داخل قاعة محكمة التمييز في المحكمة العسكريّة، فخرج منها المحكوم الوزير السابق ميشال سماحة، محاطاً بعناصر من الجيش اللبنانيّ. أفراد عائلته الذين تعدّوا الـ20 شخصاً، وقفوا فور دخوله ملّوحين له، ثم عادوا إلى أماكنهم. وحدها ابنته الصغرى بقيت واقفة طوال الوقت تطمئن عليه بعيونه وتسأله بتمتمة بالفرنسيّة: "ماشي الحال؟".
بعد أن جلس سماحة على المقعد المخصّص له، دخلت هيئة المحكمة التي سبقها النائب العام (ممثل النيابة العامة) القاضي شربل أبو سمرا. لحظات ودخل رئيس المحكمة القاضي جورج لطوّف والهيئة، ليؤدي لهم عناصر الجيش التحية العسكريّة.
وفي اليوم 1072 على توقيفه، بدت آثار التعب واضحة على وجه الوزير السابق ابن الـ68 عاماً، وعمد طوال الجلسة إلى شبك يديه بسبب ارتجافهما الدائم. وحمل في يده منشفة بيضاء لمسح وجهه وجبينه، كلّما اقتضى الأمر، لا سيّما أن القاعة غير مجهّزة بمكيّف هوائي وإنما فقط بمراوح أطفئت لاحقاً حتى يسمع الموجودون في الغرفة ما تقوله هيئة المحكمة لأن القاعة أيضاً غير مجهّزة بمكبرات صوتيّة!
كما أنّ سماحة طلب لأكثر من مرّة من القاضي السماح بالجلوس بعد أن أصابته أوجاع في ظهره، خصوصاً وأنّ الجلسة امتدّت لأكثر من 4 ساعات، تخلّلتها استراحة لمدّة عشر دقائق سيق فيها المدعى عليه إلى غرفة أخرى، فيما منع لطّوف أياً كان من الخروج من القاعة أو المحكمة والعودة إليها طيلة فترة انعقاد الجلسة.
في حين لم تأتِ الجلسة الأولى للمحكوم بتهمة نقل متفجرات من سوريا إلى لبنان، بجديد نسبياً، ما عدا إنكاره للإفادة الأوليّة التي أدلى بها في أول أيّام توقيفه أمام "شعبة المعلومات" في قوى الأمن الداخلي. وكان سماحة يريد اقتناص فرصة الكلام وحاول الإجابة على كلّ سؤال باستفاضة، وإن كانت الجلسة غير مخصّصة لاستجوابه وإنما لسؤاله عن إفاداته.
أمّا الأبرز فهو إمكان استدعاء رئاسة المحكمة "المخبر" ميلاد كفوري وضابطين من "المعلومات": نقيب وملازم أشرفا على التحقيق مع سماحة، وذلك بعد طلب وكلاء الدفاع الاستماع إلى إفادتيهما. وقد أشارت هيئة المحكمة (بعد الرأي الإيجابي للنائب العام أبو سمرا الذي أكد عدم ممانعته)، إلى أنّ القرار بشأن مطلب وكلاء الدفاع سيتخذ تبعاً لمجريات الاستجواب في الجلسة المقبلة التي أرجئت إلى 17 أيلول المقبل.
أما بشأن المطلب الثاني وهو التسجيلات بحوزة "المعلومات"، فقد ظهر أن ملفّ سماحة جاء فارغاً من التسجيلات الصوتية والفيديوهات التي انتشرت عبر وسائل الإعلام. وتؤكد مصادر الدفاع أنّ التسجيلات في الملفّ مفرّغة من دون أشرطة، متسائلة كيف أبرز وزير العدل أشرف ريفي محضر التحقيق ويقول إن "المعلومات" زوّد "العسكريّة" بكامل الأشرطة فيما أظهرت جلسة اليوم (أمس) أن ذلك غير صحيح!".
وهذا الأمر كان محور نقاش بين القاضي لطوف ووكيل سماحة المحامي طوني فرنجية، بعد أن طلبت هيئة المحكمة تسطير كتاب إلى "المعلومات"، لإيداعها جميع التسجيلات والأشرطة والأفلام على أنواعها العائدة لهذه القضيّة ضمن مهلة أسبوع، وتكليف فرع التحليل في الجيش إفراغ هذه التسجيلات والأشرطة بإشراف مستشارين في المحكمة (برتبة عميد).
وتوقّفت مصادر الدفاع عند عدم ورود اسم مفتي الشمال الشيخ مالك الشّعار الذي قيل إنّ سماحة طلب من كفوري أن يكون اسمه على لائحة أهداف التفجيرات.
وعليه، يبدو أن وكلاء الدفاع الأربعة الذين حضروا عن المدعى عليه: صخر الهاشم وفرنجيّة وشهيد الهاشم ورنا العازوري (سجّل غياب مالك جميل السيّد)، كانوا راضين عما حصل. إذ إنّ رئيس محكمة التمييز في العسكريّة القاضي طوني لطّوف قطع الطريق على "المصطادين بالماء العكر" والشكّ بالمعلومات، وقرّر عدم الاكتفاء بقول جملة "تليت الأوراق علنيةً" (التي يتمّ الاكتفاء بها في غالبيّة الجلسات)، وإنّما كلّف هيئة المحكمة بتلاوة جميع الأوراق المتعلّقة بهذه القضيّة.
سماحة: لم أكن صافي الذهن
وعلى مدى أكثر من أربع ساعات، قامت هيئة المحكمة بتلاوة القرار الاتهامي الصادر عن قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا (الذي يتعدّى الـ80 صفحة)، ثمّ الإفادة الأوليّة لدى "المعلومات" المقسمة إلى ثلاثة أجزاء، فالتحقيق الاستنطاقي لدى أبو غيدا، وصولاً إلى محاضر الاستجواب لدى هيئة المحكمة العسكريّة الدائمة برئاسة العميد خليل ابراهيم.
ورداً على سؤال لطوف إن كان يؤيّد إفاداته الأوليّة، شدّد سماحة على أنّه لا يؤيد ثلاثة أرباعها على اعتبار "أنني لم أكن صافي الذهن بالإضافة إلى ضغط المكان وإرهاب الكلام إذ إنني تعرّضت للتهديد والوعيد والشتائم، والطريقة التي دوهم فيها منزلي وعوملت بها زوجتي"، مضيفاً: "كنت أبدأ بالإجابة عن سؤال من دون أن ينتظر المحقّق كامل إجابتي حتى يدوّن ما يحلو له".
ولفت الانتباه إلى أنّه "خلال التحقيق معه طلبت لقاء رئيس شعبة المعلومات الشهيد وسام الحسن، وبعد أن التقيت به خفّ التهديد نسبياً".
وسأله القاضي عما إذا كان لفت انتباه المدعي العام القاضي سمير حمود الذي زاره في مكان التحقيق معه في شعبة المعلومات، لما تعرّض له، فحاول التملّص من الإجابة بطريقة غير مباشرة، ليردّ لطوف: "هذه ليست محاكمة سياسيّة وإنما أطرح عليك السؤال لحسن سير العدالة، ولكنّ لكَ الحقّ ألا تجيب". ثمّ أجاب سماحة: "كلا، لم ألفت نظره، خوفاً مّما (قد يحصل) بعد مغادرته. ومجمل ما قلته له هو كلمة ماشي الحال".
أما بشأن التحقيق الاستنطاقي، فأوضح سماحة أنه لا يؤيده بمجمله "لأنني كنت مرتاحاً أكثر ولكنني لم أكن صافي الذهن وذاكرتي لم تكن حاضرة على اعتبار أنني كنت تعبا نفسياً وجسدياً، بالإضافة إلى خوفي من محيطي. ولكنّ المهمّ أنه عند قاضي التحقيق لا ضرب على الطاولة ولا صراخ".
وسأله لطّوف عن موضوع الصدمة (كرّر سماحة في إفادته أن الهدف من وراء الانفجارات هو إحداث صدمة) الذي كرّره في إفادته لدى قاضي التحقيق العسكري، فأشار إلى أنّ "الكثير من الوقائع التي رويتها كانت مبنيّة على تفكير وليس على واقع".
وفي حين أيّد سماحة مضمون إفادته أمام هيئة "العسكرية" الدائمة، إلا أنّه رأى أن هناك ثغرات في بعض مضامين كلامه "أي أن هناك بعض الأمور التي قلتها لم تدوّن أو بترت من أصلها".
(لينا فخر الدين ـ السفير)