ليست المرة الأولى التي تصطدم فيها حكومة "المصلحة الوطنية" بحائط سميك يحيط بملف وسخ وشائك كملف جمع وكنس وتصنيع وطمر النفايات في لبنان. فقد سبق لكثر ان "تنشقوا" السموم التي خرجت من دفاتر المناقصات قبل ان تنفلش النفايات في الأسواق والشوارع والأزقة السكنية والبلد على ابواب موسم صيف كان واعدا.
بالأمس القريب وفيما كان الوسط السياسي ينتظر عودة رئيس الحكومة تمام سلام من عطلة عيد الفطر، التي أمضى منها أيامها الثاني والثالث والرابع في الخارج عّبر أحد الوزراء عن الفشل الذريع في مقاربة ملف النفايات وبات البلد مكشوفاً على المجهول بعدما أقفل مطمر الناعمة بقرار حزبي كان أقوى بمفاعيله من القرار الحكومي، وكذلك أقفل مطمر حبالين أمام النفايات التي يمكن ان تتوجه اليه من خارج قضاء جبيل.
وأضاف: ان كل ذلك جرى ببساطة على وقع التحضيرات التي أنجزتها لجنة وزارية وضعت دفاتر الشروط للمناقصة العالمية، التي أطلقت لترتيب القطاع وإدارة نفايات البلد على قواعد علمية وأخرى سياسية وإدارية فاحت منها روائحها بمجرد ان أعلن عن تركيبة بعض الشركات اوالمؤسسات التي أنشئت حديثاً لإدارة الملف لامركزيا. وانعكس التقسيم الجغرافي الجديد للبلد "عملية تقاسم نفوذ" كرسها التقسيم السابق للموارد المالية التي كانت في حوزة شركة واحدة لا غير هي شركة "سوكلين" وأخوات لها في الشمال والجنوب.
وعلى رغم الإعتراف بالفشل، فقد أكد الوزير المعني انه بالإضافة الى كونه نتيجة حتمية للمناكفات السياسية، التي عطلت اجتماعات الحكومة لفترة طويلة في ظل الشغور الرئاسي، لكن ذلك لا يغفل أن الملف كان يشكل من أساسه مادة الفساد الأولى في البلد. فلم تكن "سوكلين" ملكاً لشخص او فريق. فقد حوت مجموعة مصالح يعرف اللبنانيون عناوينها العريضة وبقيت في جوانب تفصيلية منها سرية على الكثير من الناس فبقيت جاهزة لإدارة نفايات بيروت ومحيطها الإداري بدليل انه لم تتقدم اي شركة لمنافستها الحتمية في البقعة الجغرافية الأكثر كثافة سكانية ووسعة وانتاجا لأطنان من النفايات تحولت كنوزا من ذهب.
وأضاف: انه ليس من المنطقي تحميل الحكومة وحدها المسؤولية. فما تشهده بعض المناطق من مظاهر النفايات المنزلية المكدسة في الشوارع كان سبباً مباشراً للتأخير الحاصل في تشكيل او تأسييس الشركات التي ستدير النفايات في البقاع وبعض من جبل لبنان وفق ما تم التوافق عليه سياسيا. كما أدى التأخير في اطلاق المناقصات فيها لإنتفاء وجود هذه الشركات حتى اليوم، فيما بقيت بيروت مقفلة على احتمال تأسيس شركة أخرى غير تلك التي تدير نفاياتها اليوم.
وإلى الظروف التي تحكمت بما آل اليه ملف إدارة النفايات على ما هو عليه اليوم، فقد اشار الوزير الى صعوبة متوقعة في توفير مخرج لما تشهده بعض المناطق من أخطر أزمة بيئية يشهدها لبنان بفعل الخلافات الحكومية، التي يمكن ان تعطل جلسة الخميس المقبل او منع البت بهذا الملف او حتى تناوله في ظل الخلاف القائم حول اولوية الحديث عن آلية اتخاذ القرارات الحكومية او ملف النفايات وملفات اخرى امنية وإدارية ملحة على جدول اعمال علق البحث فيه منذ شهر ونصف الشهر على الأقل لتلقي بظلالها على مصير الحكومة والبلد.
على كل حال، يختم الوزير المعني ليقول ان ملف النفايات دخل نفقا مظلما مليئا بالفساد والروائح الكريهة ويبشر بالكثير من الأمراض السياسية والبشرية من دون افق. فهو أمر كان متوقعاً كنتيجة حتمية لسياق معالجة فاشلة لأخطر الملفات، وليكون من مظاهر أزمة كانت متوقعة في كل حين منذ أن فشلت الحكومة في توفير مطامر النفايات قبل تأسيس الشركات التي ستدير القطاع وجمع وكنس النفايات تمهيدا لطمرها في ظل فقدان كل البدائل العلمية والعملية، التي لجأت إليها عشرات الدول المتطورة عبر الفرز المسبق والتصنيع المتخصص لأنواع منها، وهي أمور سيطول انتظارها في بلد يفتقد إلى رأس الدولة وكل مؤسساته غارقة في كومة نفايات لتسود بسبب كل ذلك مظاهر الفساد السياسي والمالي القاتل. ولكن الى متى؟
(خاص "لبنان 24")