في إطار متابعة التطورات في اليمن، كتبت "فورين بوليسي" تقريرا حول كيف تورطت الولايات المتحدة في المستنقع اليمني، جاء فيه: في شهر كانون الثاني ، وضع برنامج الأغذية العالمي خطة لتقديم معدات من شأنها أن تساعد على التخفيف من وطأة الكارثة الإنسانية المتفاقمة في اليمن. وفي هذا الإطار، تم تجهيز 4 رافعات، تم تمويلها من قبل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ليقع فيما بعد شحنها باتجاه ميناء اليمن.
بعد مرور 8 أشهر، فشل المسؤولون الأمريكيون في إقناع نظرائهم السعوديين بالسماح لهم بنصب الرافعات. ويأتي هذا الرفض السعودي وسط تفشي داء الكوليرا في البلاد الذي وصف بالأسوأ في العصر الحديث. فقد أصيب أكثر من 60 ألف يمني بهذا الوباء بينما يترنح ملايين من المواطنين على حافة المجاعة.
وفشلت الحملة الجوية التي تقودها السعودية، والتي امتدت لأكثر من سنتين، وذلك بالاعتماد على القنابل الأميركية والاستخبارات والطائرات المزودة بالوقود، في سحق التمرد الحوثي. في الوقت ذاته، أدت هذه الحملة إلى مقتل وجرح آلاف المدنيين.
واتضح من خلال جملة من المقابلات مع مسؤولين حكوميين أميركيين حاليين وسابقين أن الجهود التي تم تكريسها في هذه الحرب أثبتت أن لها مفعولا عكسيا. ففي الواقع، قد تساهم هذه التحركات في تفاقم حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، فضلا عن أن ذلك من شأنه أن يؤثر سلبيا على التحالف الأمريكي السعودي. وفي ظل الأعداد المهولة من القتلى في صفوف المدنيين، ناهيك عن المعاناة الإنسانية، تزايدت وتيرة الانتقادات الموجهة للتحالف الخليجي في أروقة الكونغرس.
في حزيران الماضي، أخبرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس أنها ستستأنف بيع الذخائر الموجهة بدقة لصالح الرياض، ملغية بذلك الحظر الذي فرضه الرئيس السابق، باراك أوباما، سنة 2016 على المملكة، وذلك ردا على الضربات الجوية السعودية الطائشة. في المقابل، بادر أعضاء الكونغرس باتخاذ إجراء لمنع أي عملية بيع للأسلحة الأميركية من دون ضمانات سعودية لحقوق الإنسان، إلا أن هذا الإجراء لم يعتمد بشكل فعلي.
ويعود تدخل الولايات المتحدة في اليمن إلى أحداث 9 أيلول ، حيث سعت واشنطن إلى تعقب مقاتلي القاعدة في المناطق القبلية النائية لأكثر من عقد من الزمن، وذلك قبل أن تشن المملكة العربية السعودية حربها ضد التمرد الحوثي. وفي هذا الإطار، شهدت الحرب الأميركية على تنظيم القاعدة المزيد من التعقيدات في آذار 2015، عندما حلقت الطائرات السعودية لأول مرة في السماء اليمنية، مستهدفة المتمردين الشيعة اليمنيين، الذين سيطروا على العاصمة صنعاء في أيلول 2014. وفي الأثناء، كانت الحكومة السعودية تخشى أن يسيطر نظام موال لإيران على المنطقة المجاورة لحدودها الجنوبية.
من هذا المنطلق، حشدت الحكومة السعودية مختلف حكومات دول الخليج في محاولة لإعادة عبد ربه منصور هادي إلى منصبه، الذي تولاه على خلفية فوزه خلال الإنتخابات الرئاسية لسنة 2012، علما وأنه كان المرشح الوحيد آنذاك. وعبر دعم السعوديين، كانت واشنطن بصدد المشاركة في حربين في اليمن. الأولى، حرب التحالف بقيادة دول الخليج للقضاء على الحوثيين، والثانية الحرب الأميركية المتواصلة لمكافحة الإرهاب والتي تستهدف تنظيم القاعدة. وفي منعرج مثير للسخرية، يقاتل الحوثيون بدورهم تنظيم القاعدة.
في الواقع، ساندت إدارة أوباما في الفترة الأولى الجهود السعودية، حيث أنشأت "خلية تخطيط مشتركة" للمساعدة في عملية تنسيق الحملة الجوية التي شملت أيضا طائرات من مصر والمغرب والأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين.
في الأثناء، لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تضطلع بدور بارز في خضم الحرب ولكن بطرق أخرى. ففي الحقيقة، ما فتئت الولايات المتحدة الأمريكية توفر المعلومات لحلفائها وذلك لمساعدتهم على تعقب مصادر الصواريخ التي يطلقها الحوثيون باتجاه المملكة العربية السعودية، والتي أدت إلى إجلاء بعض المدن السعودية الحدودية. بالإضافة إلى ذلك، تواصل طائرات تموين الوقود الأميركية تزويد الطائرات السعودية وطائرات دول التحالف التي تشارك في الحرب اليمنية، علما وأن القيادة المركزية الأمريكية لم تقدم أرقاما دقيقة في هذا الشأن.
تجدر الإشارة إلى أن السعودية منحت الأمم المتحدة تفويضا ضمن بيانها الصادر في 17 آب الماضي الذي أعربت فيه عن رغبتها في تنصيب رافعات في ميناء الحديدة، على اعتبار ذلك جزءا من مخطط الوساطة الذي وضعته الهيئة الدولية، بهدف زيادة عدد الشحنات التجارية والإنسانية القادمة لليمن عبر موانئ البحر الأحمر. ولكن الجانب السعودي أعلم الولايات المتحدة والأمم المتحدة أنه لا يمكنهم مواصلة تنفيذ هذا المخطط حتى يوافق الحوثيون على مقترح الأمم المتحدة حول الموانئ.
خلال الشهر الماضي، تبادرت أبرز المحاولات لحل هذه الأزمة، حيث التقت نيكي هالي، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة والمسؤول السامي في الأمم المتحدة الممثلين السعوديين في إطار المساعي لإيجاد حل. في المقابل، وحسب أحد المسؤولين الأميركيين ومصدرين آخرين، فقد رفض الجانب السعودي، الممثل في شخص عبد الله المعلمي، مندوب المملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة، وفي رئيس صندوق الإغاثة الذي تديره الرياض، نصب الرافعات في ميناء الحديدة حتى يعقد اتفاق سلام نهائي.
من جانبها، لم تحاول الولايات المتحدة بأي شكل ممارسة أي تأثير سياسي وإجبار السعودية على الموافقة على هذا المخطط من دون شروط. وفي هذا السياق، قال المسؤول الأميركي: "من يهتم بما قالته هالي في نيويورك عندما رفض البيت الأبيض دعمها. ففي الواقع، يتلقى السعوديون التوجيهات من قبل وزارة الدفاع الأميركية. وبالتالي، ستُقوض الجهود التي ترفع شعار حقوق الإنسان في نيويورك".
(فورين بوليسي ـ نون بوست)