كل المؤشرات تدلّ الى أنه سيعاد انتخاب فلاديمير بوتين لفترة رئاسية جديدة. ولكن ما سبب هذه الشعبية؟ ولماذا لا تقوم الاحتجاجات ضدّه على الرغم من التضييق الذي يمارسه بوتين على معارضيه والاعلام؟
وعلى الرغم من أن الغرب ينتقد بوتين بشدة، إلا أن بوتين يُنظر إليه في بلاده بكل إجلال وتقدير. ويظل السؤال المطروح هو: كيف استطاع الرئيس الروسي بعد 19 سنة من الحكم أن يحظى بكل ذلك الحب من قبل شعبه؟
خلال سنة 2017، وصفت مجلة فوربس انتخاب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بهذه الكلمات: "إذا كانت السلطة عبارة عن عملة، فسيكون بوتين أغنى رجل في العالم"، ليصبح بالفعل الرجل الأقوى في العالم. فعلى الصعيد السياسي، يسيطر بوتين على كل شيء في البلاد، ذلك أن المعارضة لا يكاد يسمع صوتها إلا في الشوارع، في حين أنها غير ممثلة في السلطة.
شهدت سنة 1999 الظهور الأول لبوتين على المسرح السياسي في روسيا، حين كان لا يتمتع بحنكة سياسية. وفي الوقت ذاته، كان الشعب لا يعرف رئيس المخابرات السابق الذي أحضره الرئيس الروسي السابق، بوريس يلتسن، وعيّنه رئيسا للوزراء.
وبعد شهرين فقط من تولي بوتين لرئاسة الوزراء، حدث هجوم بالقنابل على مجموعة من المنازل السكنية في روسيا، وهو ما أصاب السكان بالرعب، لتتوجه أصابع الاتهام بعدها إلى جماعات متمردة من الشيشان.
على الفور، أرسل بوتين الجيش الروسي لقتال هذه الجماعات في القوقاز، لترتفع شعبية الرجل بصورة كبيرة. وبعد ذلك، قام بحملة إعلامية ضخمة صنعت منه بطلا وطنيا صادقا، ليصبح رئيسا لروسيا في مطلع الألفية الثالثة.
في الأثناء، لا يسمح الدستور الروسي للرئيس بأن يمكث لأكثر من فترتين رئاسيتين. ولذلك، قام بوتين باستبدال منصب الرئيس في سنة 2008 مع صديقه المقرب، دميتري ميدفيديف، ليشغل منصب رئيس الوزراء، ومن ثم يعود مرة أخرى إلى مكانه المفضل كرئيس للبلاد في سنة 2011، بعد استراحة دامت لفترة رئاسية واحدة.
في الفترة الأخيرة، نجح بوتين في أن يحظى بشعبية واضحة، نتيجة سياسته الخارجية. وفي الحقيقة، لقي تدخله في كل من سوريا وجورجيا وأوكرانيا ترحيبا واسعا في الأوساط الروسية. فضلا عن ذلك، أدى ضم شبه جزيرة القرم في سنة 2014 إلى ارتفاع شعبية بوتين بصورة كبيرة في روسيا.
اقتصادياً، شهدت روسيا مع صعود بوتين إلى سدة الحكم نموا اقتصاديا ملحوظا، بعد ركود مرير، حيث ارتفعت أسعار النفط في السوق العالمية مع بداية سنة 2000، وهو ما ألقى بظلاله على الاقتصاد الروسي. وبحلول سنة 2014، تضاعف إجمالي الناتج المحلي لروسيا ستة مرات مقارنة بما كان عليه.
في الوقت الحالي، تمتلك روسيا 30 بالمئة من الموارد الطبيعية لكوكب الأرض، ويحتل الاقتصاد المحلي الروسي المرتبة 11 بين الاقتصاديات القوية على مستوى العالم. مع ذلك، لا يستفيد كل الروس من هذا النمو الاقتصادي، إذ تزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء اتساعا يوما بعد يوم، حيث أظهر تقرير "الثروة العالمية" أن 10 بالمئة من الشعب الروسي يعتبرون أثرياء، ويمتلكون 77.4 بالمئة من أصول الدولة. في المقابل، يعيش شخص من أصل 10 مواطنين روس تحت خط الفقر، مع ارتفاع مؤشر الفقر مع مرور الوقت.
في سنة 2014، بدأت أسعار النفط العالمية في الانخفاض، وكان لذلك تأثير على الاقتصاد الروسي. بالإضافة إلى ذلك، أدى الحظر الذي فرضه بوتين على المواد الغذائية المستوردة من الغرب، في أعقاب العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم، إلى حدوث عجز في البلاد.
أما داخل فضاء الاتحاد السوفيتي السابق، عملت روسيا منذ سنة 2015 على إنشاء الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم بيلاروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وأرمينيا، على الرغم من أن هذه الدول تحاول التوجه نحو الاقتصاد الأوروبي. وبغض النظر عن بعض الصراعات الجانبية، مازالت روسيا تنظر إلى الصين وتركيا كحليفين مهمين واستراتيجيين. وفي القارة الأوروبية يعمد بوتين الآن على دعم الشعبويين وأحزاب اليمين المتطرف.
عسكرياً، منذ تولي بوتين الحكم، شهد الإنفاق العسكري ارتفاعا مستمرا، حتى بلغ سنة 2016 قرابة 69 مليار دولار أميركي. وتحتل روسيا بذلك المركز الثالث عالميا في الإنفاق العسكري، بعد الصين التي تنفق 215 مليار دولار، بينما تهيمن الولايات المتحدة الاميركية على المركز الأول بميزانية عسكرية تبلغ قيمتها 611 مليار دولار.
يحظى بوتين بصورة المسيحي المتدين، وهي صورة تُعجب الروس، الذين عادوا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي واندثار النهج الشيوعي إلى الدين، اذ أن هناك اثنين من أصل ثلاثة روس يعتنقون المذهب الأرثوذكسي المسيحي. وبالطبع، يستغل بوتين ذلك التدين لصالحه، حيث يظهر دائما كمسيحي متدين في خدمة الكنيسة، كما أنه يتحدث دوما عن صداقته مع أسقف الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وبطريرك موسكو وعموم روسيا، كيريل الأول.
عموما، يعكس خطاب بوتين موقف المجتمع الروسي بشكل عام من الغرب، فقد انتقد خلال مؤتمر ميونخ للأمن الذي انعقد خلال سنة 2007، لما اعتبره "السيطرة الاميركية على عالم أحادي القطب"، وحذر حلف شمال الأطلسي من التوسع نحو الشرق.
وفي سنة 2001، أثار بوتين إعجاب أعضاء البرلمان الألماني إثر تقديم رؤيته لأوروبا متحدة مع روسيا. وقد تحدث حينها باللغة الألمانية، وصفق له النواب بحماس بعدما تخلى عن العبارات التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة.
ومن أجل تأمين سلطته في الداخل، قام بوتين بإخضاع القنوات التلفزيونية الخاصة منذ بداية رئاسته. وهذا أمر في غاية الأهمية في روسيا التي تعد أمة تعشق التلفزيون، حيث أن غالبية الروس يعتبرون شاشة هذا الجهاز أول مصدر للمعلومات بالنسبة لهم. وعلى الرغم من أن الدستور الروسي يضمن حرية التعبير والإعلام، إلا أنه لم يعد هناك وجود لأي قناة تلفزيونية مستقلة في المشهد الإعلامي الروسي.
في الوقت الحالي، تتقيد كل التقارير الإعلامية بأجندات الكرملين، ولا يقع التطرق إلى أنشطة ومواقف المعارضة، كما يتم تصوير الولايات المتحدة وأوروبا كمناطق تشهد أوضاعا متدهورة وتعاني من الفوضى، وانعدام الاستقرار، ويتم تشويه الأنظمة الديمقراطية. وعلى هذا النحو، يعتبر هذا الأداء الإعلامي امتدادا لاستراتيجيات وروايات الاتحاد السوفيتي سابقا.
في مؤشر الديمقراطية الذي تنشره مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، حلت موسكو في المرتبة 135، في تصنيف شمل 167 دولة.
في آذار سنة 2017، اندلعت مظاهرات حاشدة في أكثر من 80 مدينة روسية، عبر فيها المتظاهرون عن غضبهم من انتشار الفساد خاصة في صفوف رجال السياسة. وقبل ذلك، كان ألكسندر نافانلي، أشهر معارض روسي، قد وجه عبر مقطع فيديو اتهامات جدية بالفساد لرئيس الوزراء ميدفيديف.
من جانبه، دعا نافانلي للتظاهر، وقد استجاب له العديد من الشباب الذين نظموا أنفسهم بالاعتماد على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي الوحيدة التي لا تسيطر عليها الأجهزة الحكومية، ثم خرجوا للشوارع. ومنذ ذلك الحين، تعددت المظاهرات وقد جد آخرها في 28 كانون الثاني 2018، التي اندلعت هذه المرة بسبب عدم قبول ترشح نافانلي كمنافس في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يعني أن أنصار المعارضة لن يتمكنوا من التصويت لزعيمهم المفضل.
وبسبب عمليات التلاعب الجزئي بالانتخابات، كانت أصوات المعارضة مغيبة تماما، فيما فُسح المجال فقط للمعارضة المدجنة من السلطة للمشاركة في الحياة السياسية، وهذا يهدف لخلق انطباع زائف بوجود نظام ديمقراطي، وضمان مشاركة واسعة للناس في الانتخابات، إذ أن ارتفاع نسبة المقترعين تعني دائما تعزيز شرعية الرئيس المنتخب.
ليس من المؤكد ما إذا كانت مخططات الإصلاح التي أعلنها بوتين سوف تقود للانفتاح، وتؤثر بالإيجاب على مستوى عيش الشعب الروسي، أو تؤدي لتطبيع العلاقات مع الدول الغربية الديمقراطية. ولعل ذلك ما يجعل مستقبل روسيا غامضا، لكن المعطى الوحيد المؤكد هو أن بوتين سيفوز مجددا بالانتخابات.
(دويتشه تسايتونغ)